فهرس الكتاب

الصفحة 1891 من 4314

ثم السكينة التي نزلت على المؤمنين ما هي؟ وما ذا يحسبها؟ أ كانت هي الحالة النفسانية التي تحصل من السكون والطمأنينة كما فسرها بها واستشهد عليه بقول صاحب المصباح: أنها تطلق على الرزانة والمهابة والوقار حتى كانت ثبات الكفار وسكونهم في مواقفهم الحربية عن سكينة نازلة إليهم؟ فإن كانت السكينة هي هذه فقد كانت في أول الوقعة عند كفار هوازن وثقيف خصماء المسلمين ثم تركتهم ونزلت على عامة جيش المسلمين من مؤمن ثبت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن مؤمن لم يثبت واختار الفرار على القرار ، ومن منافق ومن ضعيف الإيمان مريض القلب فإنهم جميعا رجعوا ثانيا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وثبتوا معه حتى هزموا العدو فهم جميعا أصحاب السكينة أنزلها الله إليهم فما باله تعالى يقصر إنزال السكينة على رسوله وعلى المؤمنين إذ يقول:"ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين".

على أنه إن كانت السكينة هي هذه ، وهي مبتذلة مبذولة لكل مؤمن وكافر فما معنى ما امتن الله به على المؤمنين بما ظاهره أنها عطية خاصة غير مبتذلة؟ ولم يذكرها في كلامه إلا في موارد معدودة - بضعة موارد - لا تبلغ تمام العشرة.

وبذلك يظهر أن السكينة أمر وراء السكون والثبات لا أن لها معنى في اللغة أو العرف وراء مفهوم الحالة النفسانية الحاصلة من السكون والطمأنينة بل بمعنى أن الذي يريده تعالى من السكينة في كلامه له مصداق غير المصداق الذي نجده عند كل شجاع باسل له نفس ساكنة وجاش مربوط ، وإنما هي نوع خاص من الطمأنينة النفسانية له نعت خاص وصفة مخصوصة.

كيف؟ وكلما ذكرها الله سبحانه في كلامه امتنانا بها على رسوله وعلى المؤمنين خصها بالإنزال من عنده فهي حالة إلهية لا ينسى العبد معها مقام ربه لا كما عليه عامة الشجعان أولوا الشدة والبسالة المعجبون ببسالتهم المعتمدون على أنفسهم.

وقد احتفت في كلامه بأوصاف وآثار لا تعم كل وقار وطمأنينة نفسانية كما قال في حق رسوله:"إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها:"التوبة: - 40 وقال تعالى في المؤمنين"لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم:"الفتح: - 18 فذكر أنه إنما أنزل السكينة عليهم لما علمه من قلوبهم فنزولها يحتاج إلى حالة قلبية طاهرة سابقة يدل السياق على أنها الصدق ونزاهة القلب عن إبطان نية الخلاف.

وقال أيضا:"هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض:"الفتح: - 4 فذكر أن من أثرها زيادة الإيمان مع الإيمان وقال أيضا:"إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها: الفتح: - 26 ، ."

والآية - كما ترى - تذكر أن نزول السكينة من عنده تعالى مسبوق باستعداد سابق وأهلية وأحقية قبلية وهو الذي أشير إليه في الآية السابقة بقوله:"فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة".

وتذكر أن من آثارها لزوم كلمة التقوى ، وطهارة ساحة الإنسان عن مخالفة الله ورسوله باقتراف المحارم وورود المعاصي.

وهذا كالمفسر يفسر قوله في الآية الأخرى:"ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم"فازدياد الإيمان مع الإيمان بنزول السكينة هو أن يكون الإنسان على وقاية إلهية من اقتراف المعاصي وهتك المحارم مع إيمان صادق بأصل الدعوة الحقة.

وهذا نعم الشاهد يشهد أولا: أن المراد بالمؤمنين في قوله في الآية المبحوث عنها"ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين"غير المنافقين وغير مرضى القلوب وضعفاء الإيمان ، ولا يبقى إلا من ثبت من المؤمنين مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهم ثلاثة أو أربعة أو تسعة أو عشرة أو ثمانون أو دون المائة على اختلاف الروايات في إحصائهم ، ومن فر وانكشف عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولا ثم رجع وقاتل ثانيا وفيهم جل أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدة من خواصهم.

فهل المراد بالمؤمنين الذين نزلت عليهم ، جميع من ثبت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن فر أولا ثم رجع ثانيا ، أو أنهم هم الذين ثبتوا معه من المؤمنين حتى نزل النصر؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت