و الذي أورده من الخلط بين البحث التفسيري الذي لا هم له إلا الكشف عما يدل عليه الآيات الكريمة ، وبين البحث الكلامي الذي يرام به إثبات ما يدعيه المتكلم في شيء من المذاهب من أي طريق أمكن من عقل أو كتاب أو سنة أو إجماع أو المختلط منها والبحث التفسيري لا يبيح لباحثه شيئا من ذلك ، ولا تحميل أي نظر من الأنظار العلمية على الكتاب الذي أنزله الله تبيانا.
أما قوله: إنهم لم يفروا جبنا ولا خذلانا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإنما كان انكشافا لأمر فاجأهم فاضطربوا وزلزلوا ففروا ثم كروا فهذا مما لا يندفع به صريح قوله تعالى:"ثم وليتم مدبرين"مع اندراج هذا الفعل منهم تحت كلية قوله تعالى في آية تحريم الفرار من الزحف:"فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره - إلى أن قال - فقد باء بغضب من الله"الآية.
ولم يقيد سبحانه النهي عن تولية الأدبار بأنه يجب أن يكون عن جبن أو لغرض الخذلان ، ولا أستثني من حكم التحريم كون الفرار عن اضطراب مفاجىء ، ولا أورد في استثنائه إلا ما ذكره بقوله:"إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة"وليس هذان المستثنيان في الحقيقة من الفرار من الزحف.
ولم يورد تعالى أيضا فيما حكي من عهدهم شيئا من الاستثناء إذ قال:"و لقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا:"الأحزاب: - 15.
وأما استشهاده على ذلك بأن الاضطراب كان مشتركا بينهم وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واستدلاله على ذلك بقوله تعالى:"ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين"حيث إن نزول السكينة بعد انكشافهم بزمان - على ما تدل عليه كلمة ثم - يلازم نزول الاضطراب عند ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كان عن حزن وأسف إذ لا يتصور في حقه (صلى الله عليه وآله وسلم) التزلزل في ثباته وشجاعته.
فلننظر فيما اعتبره للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحزن والأسف هل كان ذلك حزنا وأسفا على ما وقع من الأمر من انهزام المسلمين وما ابتلاهم الله به من الفتنة والمحنة جزاء لما أعجبوا من كثرة عددهم ، وبالجملة حزنا مكروها عند الله؟ فقد نزهه الله عن ذلك وأدبه بما نزل عليه من كتابه وعلمه من علمه ، وقد أنزل عليه مثل قوله عز من قائل:"ليس لك من الأمر شيء:"آل عمران: - 128 ، وقال:"سنقرئك فلا تنسى:"الأعلى: - 6.
ولم يرد في شيء من روايات القصة أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) زال عن مكانه يومئذ أو اضطرب اضطرابا مما نزل على المسلمين من الوهن والانهزام.
وإن كان ذلك حزنا وأسفا على المسلمين لما أصابهم من ناحية خطئهم في الاعتماد بغير الله والركون إلى سراب الأسباب الظاهرة ، والذهول عن الاعتصام بالله سبحانه حتى أوقعهم في خطيئة الفرار من الزحف لما كان هو (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه من الرأفة والرحمة بالمؤمنين فهذا أمر يحبه الله سبحانه وقد مدح رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) به إذ قال:"بالمؤمنين رءوف رحيم:"التوبة: - 128.
وليس يزول مثل هذا الأسف والحزن بنزول السكينة عليه ، ولا أن السكينة لو فرض نزولها لأجله مما حدث بعد وقوع الانهزام حتى يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاليا عنها قبل ذلك بل كان (صلى الله عليه وآله وسلم) على بينة من ربه منذ بعثه الله إلى أن قبضه إليه ، وكانت السكينة بهذا المعنى نازلة عليه حينا بعد حين.