و قوله:"و يوم حنين"أي ويوما وقعت فيه القتال بينكم وبين أعدائكم بوادي حنين ، وإضافة اليوم إلى أمكنة الوقائع العظيمة شائع في العرف كما يقال: يوم بدر ويوم أحد ويوم الخندق نظير إضافته إلى الجماعة المتلبسين بذلك كيوم الأحزاب ويوم تميم ، وإضافته إلى نفس الحادثة كيوم فتح مكة.
وقوله:"إذ أعجبتكم كثرتكم"أي أسرتكم الكثرة التي شاهدتموها في أنفسكم فانقطعتم عن الاعتماد بالله والثقة بأيده وقوته واستندتم إلى الكثرة فرجوتم أن ستدفع عنكم كيد العدو وتهزم جمعهم ، وإنما هو سبب من الأسباب الظاهرية لا أثر فيها إلا ما شاء الله الذي إليه تسبيب الأسباب.
وبالنظر إلى هذا المعنى أردف قوله:"إذ أعجبتكم كثرتكم"بقوله:"فلم تغن عنكم شيئا"أي اتخذتموها سببا مستقلا دون الله فأنساكم الاعتماد بالله ، وركنتم إليها فبان لكم ما في وسع هذا السبب الموهوم وهو أن لا غنى عنده حتى يغنيكم فلم يغن عنكم شيئا لا نصرا ولا شيئا آخر.
وقوله:"و ضاقت عليكم الأرض بما رحبت"أي مع ما رحبت ، وهو كناية عن إحاطة العدو بهم إحاطة لا يجدون مع ذلك مأمنا من الأرض يستقرون فيه ولا كهفا يأوون إليه فيقيهم من العدو ، أي فررتم فرارا لا تلوون على شيء.
فهو قريب المعنى من قوله تعالى في قصة الأحزاب:"إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا": الأحزاب: - 10.
وقول بعضهم: أي ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا موضعا تفرون إليه.
غير سديد.
وقوله:"ثم وليتم مدبرين"أي جعلتم العدو يلي أدباركم وهو كناية عن الانهزام وهذا هو الفرار من الزحف ساقهم إليه اطمئنانهم بكثرتهم والانقطاع من ربهم ، قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره - إلى أن قال - فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير:"الأنفال: - 16 وقال:"و لقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا:"الأحزاب: - 15.
فهذا كله أعني ضيق الأرض عليهم بما رحبت ثم انهزامهم وفرارهم من الزحف على ما فيه من كبير الإثم ، ووقوفهم هذا الموقف الذي يستتبع العتاب من ربهم إنما ساقهم إليه اعتمادهم واطمئنانهم إلى هذه الأسباب السرابية التي لا تغني عنهم شيئا.
والله سبحانه بسعة رحمته وعظم منه امتن عليهم بنصره وإنزال سكينته وإنزال جنود لم يروها ، وتعذيب الكافرين ووعد مجمل بمغفرته وعدا ليس بالمقطوع وجوده حتى تبطل به صفة الخوف من قلوبهم ، ولا بالمقطوع عدمه حتى تزول صفة الرجاء من نفوسهم بل وعدا يحفظ فيهم الاعتدال والتوسط بين صفتي الخوف والرجاء ، ويربيهم تربية حسنة تعدهم وتهيئهم للسعادة الواقعية.
وقد أغرب بعض المفسرين في تفسير الآية مستظهرا بما جمع به بين الروايات على اختلافها فأصر على ما ملخصه أن المسلمين لم يفروا على جبن ، وإنما انكشفوا عن موضعهم لما فاجأهم من شد كتائب ثقيف وهوازن عليهم شد رجل واحد فاضطربوا اضطرابة زلزلتهم وكشفتهم عن موضعهم دفعة واحدة وهذا أمر طبيعي في الإنسان إذا فاجأه الخطر ودهمته بلية دفعة ومن غير مهل اضطربت نفسه وخلي عن موضعه.
ويشهد به نزول السكينة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليهم جميعا فقد كان الاضطراب شمله وإياهم جميعا ، غير أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أصابه ما أصابه من الاضطراب والقلق حزنا وأسفا مما وقع ، والمسلمون شملهم ذلك لما فوجئوا به من حملة الكتائب حملة رجل واحد.
ومن الشواهد أنهم بمجرد ما سمعوا نداء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ونداء العباس بن عبد المطلب رجعوا من فورهم وهزموا الكفار بالسكينة النازلة عليهم من عند الله تعالى.
ثم ذكر ما نزل من الآيات في صفة الصحابة كآية بيعة الرضوان ، وقوله تعالى:"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار"الآية ، وقوله:"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة"الآية ، وما ورد من طريق الرواية في مدح صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
انتهى.