و قد أوعدهم باللعن في الدنيا والآخرة واللعن هو الإبعاد من الرحمة والرحمة الخاصة بالمؤمنين هي الهداية إلى الاعتقاد الحق وحقيقة الإيمان ، ويتبعه العمل الصالح فالإبعاد من الرحمة في الدنيا تحريمه عليه جزاء لعمله فيرجع إلى طبع القلوب كما قال:"لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية": المائدة: 13 ، وقال:"و لكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا": النساء: 46 ، وقال:"أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم": سورة محمد: 23.
وأما اللعن في الآخرة فهو الإبعاد من رحمة القرب فيها وقد قال تعالى:"كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون": المطففين: 15.
ثم أوعدهم بأنه أعد لهم - أي في الآخرة - عذابا مهينا ووصف العذاب بالمهين لأنهم يقصدون باستكبارهم في الدنيا إهانة الله ورسوله فقوبلوا في الآخرة بعذاب يهينهم.
قوله تعالى:"و الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا"تقييد إيذائهم بغير ما اكتسبوا لأن إيذاءهم بما اكتسبوا كما في القصاص والحد والتعزير لا إثم فيه.
وأما إيذاؤهم بغير ما اكتسبوا ومن دون استحقاق فيعده سبحانه احتمالا للبهتان والإثم المبين ، والبهتان هو الكذب على الغير يواجهه به ، ووجه كون الإيذاء من غير اكتساب بهتانا أن المؤذي إنما يؤذي لسبب عنده يعده جرما له يقول: لم قال كذا؟ لم فعل كذا؟ وليس بجرم فيبهته عند الإيذاء بنسبة الجرم إليه مواجهة وليس بجرم.
وكونه إثما مبينا لأن الافتراء والبهتان مما يدرك العقل كونه إثما من غير حاجة إلى ورود النهي عنهما شرعا.
قوله تعالى:"يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن"إلخ ، الجلابيب جمع جلباب وهو ثوب تشتمل به المرأة فيغطي جميع بدنها أو الخمار الذي تغطي به رأسها ووجهها.
وقوله:"يدنين عليهن من جلابيبهن"أي يتسترن بها فلا تظهر جيوبهن وصدورهن للناظرين.
وقوله:"ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين"أي ستر جميع البدن أقرب إلى أن يعرفن أنهن أهل الستر والصلاح فلا يؤذين أي لا يؤذيهن أهل الفسق بالتعرض لهن.
وقيل: المعنى ذلك أقرب من أن يعرفن أنهن مسلمات حرائر فلا يتعرض لهن بحسبان أنهن إماء أو من غير المسلمات من الكتابيات أو غيرهن والأول أقرب.
قوله تعالى:"لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم"إلخ ، الانتهاء عن الشيء الامتناع والكف عنه ، والإرجاف إشاعة الباطل للاغتمام به وإلقاء الاضطراب بسببه ، والإغراء بالفعل التحريض عليه.
والمعنى: أقسم لئن لم يكف المنافقون والذين في قلوبهم مرض عن الإفساد والذين يشيعون الأخبار الكاذبة في المدينة لإلقاء الاضطراب بين المسلمين لنحرضنك عليهم ثم يجاورونك في المدينة بسبب نفيهم عنها إلا زمانا قليلا وهو ما بين صدور الأمر وفعلية إجرائه.
قوله تعالى:"ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا"الثقف إدراك الشيء والظفر به ، والجملة حال من المنافقين ومن عطف عليهم أي حال كونهم ملعونين أينما وجدوا أخذوا وبولغ في قتلهم فعمهم القتل.
قوله تعالى:"سنة الله في في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا"السنة هي الطريقة المعمولة التي تجري بطبعها غالبا أو دائما.
يقول سبحانه هذا النكال الذي أوعدنا به المنافقين ومن يحذو حذوهم من النفي والقتل الذريع هي سنة الله التي جرت في الماضين فكلما بالغ قوم في الإفساد وإلقاء الاضطراب بين الناس وتمادوا وطغوا في ذلك أخذناهم كذلك ولن تجد لسنة الله تبديلا فتجري فيكم كما جرت في الأمم من قبلكم.
في الفقيه ، روى عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قول الله عز وجل:"ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن - فما لكم عليهن من عدة تعتدونها - فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا"قال: متعوهن أي أجملوهن بما قدرتم عليه من معروف فإنهن يرجعن بكآبة ووحشة وهم عظيم وشماتة من أعدائهن فإن الله كريم يستحيي ويحب أهل الحياء إن أكرمكم أشدكم إكراما لحلائلهم.
وفي الكافي ، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها. قال: عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا وإن لم يكن فرض لها فليمتعها على نحو ما يمتع به مثلها من النساء.