و معلوم أن هذا التقسيم لا ينتج إلا قسمين نعم أحد القسمين ينقسم إلى أقسام لم يستوف أحكامها في الآيات لعدم تعلق الغرض بها وذلك أن من أراد الآخرة ربما سعى لها سعيها وربما لم يسع لها سعيها كالفساق وأهل البدع ، وعلى كلا الوجهين ربما كان مؤمنا وربما لم يكن مؤمنا ، ولم يذكر في كلامه تعالى إلا حكم طائفة خاصة وهي من أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن لأن الغرض تمييز ملاك السعادة من ملاك الشقاء لا بيان تفصيل الأحوال.
قوله تعالى:"انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا"إشارة إلى تفاوت الدرجات بتفاوت المساعي حتى لا يتوهم أن قليل العمل وكثيره على حد سواء ويسير السعي والسعي البالغ لا فرق بينهما فإن تسوية القليل والكثير والجيد والردي في الشكر والقبول رد في الحقيقة لما يزيد به الأفضل على غيره.
وقوله:"انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض"أي بعض الناس على بعض في الدنيا ، والقرينة على هذا التقييد قوله بعد:"و للآخرة أكبر"والتفضيل في الدنيا هو ما يزيد به بعض أهلها على بعض من أعراضها وأمتعتها كالمال والجاه والولد والقوة والصيت والرئاسة والسؤدد والقبول عند الناس.
وقوله:"و للآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا"أي هي أكبر من الدنيا في الدرجات والتفضيل فلا يتوهمن متوهم أن أهل الآخرة في عيشة سواء ولا أن التفاوت بين معايشهم كتفاوت أهل الدنيا في دنياهم بل الدار أوسع من الدنيا بما لا يقاس وذلك أن سبب التفضيل في الدنيا هي اختلاف الأسباب الكونية وهي محدودة والدار دار التزاحم وسبب التفضيل واختلاف الدرجات في الآخرة هو اختلاف النفوس في الإيمان والإخلاص وهي من أحوال القلوب ، واختلاف أحوالها أوسع من اختلاف أحوال الأجسام بما لا يقاس قال تعالى:"إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله": البقرة: 284 وقال:"يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم": الشعراء: 89.
ففي الآية أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينظر إلى ما بين أهل الدنيا من التفاضل والاعتبار ليجعل ذلك ذريعة إلى فهم ما بين أهل الآخرة من تفاوت الدرجات والتفاضل في المقامات فإن اختلاف الأحوال في الدنيا يؤدي إلى اختلاف الإدراكات الباطنة والنيات والأعمال التي يتيسر للإنسان أن يأتي بها واختلاف ذلك يؤدي إلى اختلاف الدرجات في الآخرة.
قوله تعالى:"لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا"قال في المفردات ،: الخذلان ترك من يظن به أن ينصر نصرته انتهى.
والآية بمنزلة النتيجة للآيات السابقة التي ذكرت سنة الله في عباده وختمت في أن من أراد منهم العاجلة انتهى به ذلك إلى أن يصلى جهنم مذموما مدحورا ، ومن أراد منهم الآخرة شكر الله سعيه الجميل ، والمعنى لا تشرك بالله سبحانه حتى يؤديك ذلك إلى أن تقعد وتحتبس عن السير إلى درجات القرب وأنت مذموم لا ينصرك الله ولا ناصر دونه وقيل: القعود كناية عن المذلة والعجز.
في الكافي ، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في قوله تعالى:"إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"قال: أي يدعو.
وفي تفسير العياشي ، عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) :"إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"قال: يهدي إلى الولاية.
أقول: وهي من الجري ويمكن أن يراد به ما عند الإمام من كمال معارف الدين ولعله المراد مما في بعض الروايات من قوله: يهدي إلى الإمام.
وعنه: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قوله:"و كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه"يقول: خيره وشره معه حيث كان لا يستطيع فراقه حتى يعطى كتابه بما عمل.
وفيه ، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) : عن الآية قال: قدره الذي قدر عليه.
وفيه ، عن خالد بن يحيى عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في قوله:"اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا"قال يذكر العبد جميع ما عمل وما كتب عليه حتى كأنه فعله تلك الساعة فلذلك قالوا: يا ويلتنا ما لهذا الكتاب - لا يغادر صغيرة ولا كبيرة - إلا أحصاها.
وفيه ، عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قوله:"أمرنا مترفيها"مشددة منصوبة تفسيرها: كثرنا ، وقال: لا قرأتها مخففة.