و في الآية تقوية لقلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتهديد لأهل مكة وتحقير لأمرهم إن الله أهلك قرى كثيرة كل منها أشد قوة من قريتهم ولا ناصر لهم ينصرهم.
قوله تعالى:"أ فمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم"السياق الجاري على قياس حال المؤمنين بحال الكفار يدل على أن المراد بمن كان على بينة من ربه هم المؤمنون فالمراد بكونهم على بينة من ربهم كونهم على دلالة بينة من ربهم توجب اليقين على ما اعتقدوا عليه وهي الحجة البرهانية فهم إنما يتبعون الحجة القاطعة على ما هو الحري بالإنسان الذي من شأنه أن يستعمل العقل ويتبع الحق.
وأما الذين كفروا فقد شغفهم أعمالهم السيئة التي زينها لهم الشيطان وتعلقت بها أهواؤهم وعملوا السيئات ، فكم بين الفريقين من فرق.
قوله تعالى:"مثل الجنة التي وعد المتقون"إلى آخر الآية يفرق بين الفريقين ببيان مآل أمرهما وهو في الحقيقة توضيح ما مر في قوله:"إن الله يدخل الذين آمنوا"إلخ من الفرق بينهما فهذه الآية في الحقيقة تفصيل تلك الآية.
فقوله:"مثل الجنة التي وعد المتقون"المثل بمعنى الصفة - كما قيل - أي صفة الجنة التي وعد الله المتقين أن يدخلهم فيها ، وربما حمل المثل على معناه المعروف واستفيد منه أن الجنة أرفع وأعلى من أن يحيط بها الوصف ويحدها اللفظ وإنما تقرب إلى الأذهان نوع تقريب بأمثال مضروبة كما يلوح إليه قوله تعالى:"فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين": السجدة: 17.
وقد بدل قوله في الآية السابقة:"الذين آمنوا وعملوا الصالحات"في هذه الآية من قوله:"المتقون"تبديل اللازم من الملزوم فإن تقوى الله يستلزم الإيمان به وعمل الصالحات من الأعمال.
وقوله:"فيها أنهار من ماء غير آسن"أي غير متغير بطول المقام ، وقوله:"و أنهار من لبن لم يتغير طعمه"كما في ألبان الدنيا ، وقوله:"و أنهار من خمر لذة للشاربين"أي لذيذة للشاربين ، واللذة إما صفة مشبهة مؤنثة وصف للخمر ، وإما مصدر وصفت به الخمر مبالغة ، وإما بتقدير مضاف أي ذات لذة ، وقوله:"و أنهار من عسل مصفى"أي خالص من الشمع والرغوة والقذى وسائر ما في عسل الدنيا من الأذى والعيوب ، وقوله:"و لهم فيها من كل الثمرات"جمع للتعميم.
وقوله:"و مغفرة من ربهم"ينمحي بها عنهم كل ذنب وسيئة فلا تتكدر عيشتهم بمكدر ولا ينتغص بمنغص ، وفي التعبير عنه تعالى بربهم إشارة إلى غشيان الرحمة وشمول الحنان والرأفة الإلهية.
وقوله:"كمن هو خالد في النار"قياس محذوف أحد طرفيه أي أ من يدخل الجنة التي هذا مثلها كمن هو خالد في النار وشرابهم الماء الشديد الحرارة الذي يقطع أمعاءهم وما في جوفهم من الأحشاء إذا سقوه ، وإنما يسقونه وهم مكرهون كما في قوله:"و سقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم"وقيل: قوله:"كمن هو خالد"إلخ ، بيان لقوله في الآية السابقة:"كمن زين"إلخ ، وهو كما ترى.
في المجمع ،: في قوله تعالى:"ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله": قال أبو جعفر (عليه السلام) : كرهوا ما أنزل الله في حق علي (عليه السلام) .
وفيه ،: في قوله تعالى:"كمن زين له سوء عمله"قيل: هم المنافقون: وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) .
أقول: ويحتمل أن تكون الروايتان من الجري.
وفي تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"كمن هو خالد في النار - وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم"قال: ليس من هو في هذه الجنة الموصوفة كمن هو في هذه النار كما أن ليس عدو الله كوليه.