و قد ذكروا: أن الجملة ، أعني قوله تعالى: ولكم في القصاص حيوة الآية على اختصارها وإيجازها وقلة حروفها وسلاسة لفظها وصفاء تركيبها من أبلغ آيات القرآن في بيانها ، وأسماها في بلاغتها فهي جامعة بين قوة الاستدلال وجمال المعنى ولطفه ، ورقة الدلالة وظهور المدلول ، وقد كان للبلغاء قبلها كلمات في القتل والقصاص تعجبهم بلاغتها وجزالة أسلوبها ونظمها كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع وقولهم: أكثروا القتل ليقل القتل ، وأعجب من الجميع عندهم قولهم: القتل أنفى للقتل غير أن الآية أنست الجميع ونفت الكل: ولكم في القصاص حيوة فإن الآية أقل حروفا وأسهل في التلفظ ، وفيها تعريف القصاص وتنكير الحياة ليدل على أن النتيجة أوسع من القصاص وأعظم وهي مشتملة على بيان النتيجة وعلى بيان حقيقة المصلحة وهي الحياة ، وهي متضمن حقيقة المعنى المفيد للغاية فإن القصاص هو المؤدي إلى الحياة دون القتل فإن من القتل ما يقع عدوانا ليس يؤدي إلى الحياة ، وهي مشتملة على أشياء أخر غير القتل يؤدي إلى الحياة وهي أقسام القصاص في غير القتل ، وهي مشتملة على معنى زائد آخر ، وهو معنى المتابعة التي تدل عليها كلمة القصاص بخلاف قولهم القتل أنفى للقتل ، وهي مع ذلك متضمنة للحث والترغيب فإنها تدل على حياة مذخورة للناس مغفول عنها يملكونها فعليهم أن يأخذوا بها نظير ما تقول: لك في مكان كذا أو عند فلان مالا وثروة ، وهي ذلك تشير إلى أن القائل لا يريد بقوله هذا إلا حفظ منافعهم ورعاية مصلحتهم من غير عائد يعود إليه حيث قال: ولكم.
فهذه وجوه من لطائف ما تشتمل عليه هذه الآية ، وربما ذكر بعضهم وجوها أخرى يعثر عليه المراجع غير أن الآية كلما زدت فيه تدبرا زادتك في تجلياتها بجمالها وغلبتك بهور نورها - وكلمة الله هي العليا.
في تفسير العياشي ، عن الصادق (عليه السلام) : في قوله تعالى الحر بالحر ، قال: لا يقتل الحر بالعبد ولكن يضرب ضربا شديدا ويغرم دية العبد وإن قتل رجل امرأة فأراد أولياء المقتول أن يقتلوه أدوا نصف ديته إلى أولياء الرجل.
وفي الكافي ، عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) : قال سألته عن قول الله عز وجل فمن تصدق به فهو كفارة له ، قال: يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما عفا ، وسألته عن قوله عز وجل: فمن عفي له من أخيه شيء - فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ، قال: ينبغي للذي له الحق أن لا يعسر أخاه إذا كان قد صالحه على دية وينبغي للذي عليه الحق أن لا يمطل أداه إذا قدر على ما يعطيه ويؤدي إليه بإحسان ، وسألته عن قول الله عز وجل: فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ، قال هو الرجل يقبل الدية أو يعفو أو يصالح ثم يعتدي فيقتل كما قال الله عز وجل.
أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة.
كانت العرب أوان نزول آية القصاص وقبله تعتقد القصاص بالقتل لكنها ما كانت تحده بحد وإنما يتبع ذلك قوة القبائل وضعفها فربما قتل الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة فسلك في القتل مسلك التساوي وربما قتل العشرة بالواحد والحر بالعبد والرئيس بالمرءوس وربما أبادت قبيلة قبيلة أخرى لواحد قتل منها.
وكانت اليهود تعتقد القصاص كما ورد في الفصل الحادي والعشرين والثاني والعشرين من الخروج والخامس والثلاثين من العدد ، وقد حكاه القرآن حيث قال تعالى:"و كتبنا لهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص": المائدة - 45.
وكانت النصارى على ما يحكى لا ترى في مورد القتل إلا العفو والدية ، وسائر الشعوب والأمم على اختلاف طبقاتهم ما كانت تخلو عن القصاص في القتل في الجملة وإن لم يضبطه ضابط تام حتى القرون الأخيرة.
والإسلام سلك في ذلك مسلكا وسطا بين الإلغاء والإثبات فأثبت القصاص وألغى تعينه بل أجاز العفو والدية ثم عدل القصاص بالمعادلة بين القاتل والمقتول ، فالحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى.
وقد اعترض على القصاص مطلقا وعلى القصاص بالقتل خاصة بأن القوانين المدنية التي وضعتها الملل الراقية لا ترى جوازها وإجراءها بين البشر اليوم.