بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ اقْترَبَتِ الساعَةُ وَانشقّ الْقَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْا ءَايَةً يُعْرِضوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مّستَمِرّ (2) وَكذّبُوا وَاتّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكلّ أَمْرٍ مّستَقِرّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكمَةُ بَلِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النّذُرُ (5) فَتَوَلّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاع إِلى شىْءٍ نّكرٍ (6) خُشعًا أَبْصرُهُمْ يخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنهُمْ جَرَادٌ مّنتَشِرٌ (7) مّهْطِعِينَ إِلى الدّاع يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)
سورة ممحضة في الإنذار والتخويف إلا آيتين من آخرها تبشران المتقين بالجنة والحضور عند ربهم.
تبدأ السورة بالإشارة إلى آية شق المقر التي أتى بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن اقتراح من قومه ، وتذكر رميهم له بالسحر وتكذيبهم به واتباعهم الأهواء مع ما جاءهم أنباء زاجرة من أنباء يوم القيامة وأنباء الأمم الماضين الهالكين ثم يعيد تعالى عليهم نبذة من تلك الأنباء إعادة ساخط معاتب فيذكر سيىء حالهم يوم القيامة عند خروجهم من الأجداث وحضورهم للحساب.
ثم تشير إلى قصص قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون وما نزل بهم من أليم العذاب إثر تكذيبهم بالنذر وليس قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأعز عند الله منهم وما هم بمعجزين ، وتختتم السورة ببشرى للمتقين.
والسورة مكية بشهادة سياق آياتها ، ولا يعبأ بما قيل: إنها نزلت ببدر ، وكذا بما قيل: إن بعض آياتها مدنية ، ومن غرر آياتها ما في آخرها من آيات القدر.
قوله تعالى:"اقتربت الساعة وانشق القمر"الاقتراب زيادة في القرب فقوله:"اقتربت الساعة"أي قربت جدا ، والساعة هي الظرف الذي تقوم فيه القيامة.
وقوله:"و انشق القمر"أي انفصل بعضه عن بعض فصار فرقتين شقتين تشير الآية إلى آية شق القمر التي أجراها الله تعالى على يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة قبل الهجرة إثر سؤال المشركين من أهل مكة ، وقد استفاضت الروايات على ذلك ، واتفق أهل الحديث والمفسرون على قبولها كما قيل.
ولم يخالف فيه منهم إلا الحسن وعطاء والبلخي حيث قالوا: معنى قوله:"انشق القمر"سينشق القمر عند قيام الساعة وإنما عبر بلفظ الماضي لتحقق الوقوع.
وهو مزيف مدفوع بدلالة الآية التالية"و إن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر"فإن سياقها أوضح شاهد على أن قوله"آية"مطلق شامل لانشقاق القمر فعند وقوعه إعراضهم وقولهم: سحر مستمر ومن المعلوم أن يوم القيامة يوم يظهر فيه الحقائق ويلجئون فيه إلى المعرفة ، ولا معنى حينئذ لقولهم في آية ظاهرة: أنها سحر مستمر فليس إلا أنها آية قد وقعت للدلالة على الحق والصدق وتأتي لهم أن يرموها عنادا بأنها سحر.
ومثله في السقوط ما قيل: إن الآية إشارة إلى ما ذهب إليه الرياضيون أخيرا أن القمر قطعة من الأرض كما أن الأرض جزء منفصل من الشمس فقوله:"و انشق القمر"إشارة إلى حقيقة علمية لم ينكشف يوم النزول بعد.
وذلك أن هذه النظرية على تقدير صحتها لا يلائمها قوله:"و إن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر"إذ لم ينقل عن أحد أنه قال للقمر: هو سحر مستمر.
على أن انفصال القمر عن الأرض اشتقاق والذي في الآية الكريمة انشقاق ، ولا يطلق الانشقاق إلا على تقطع الشيء في نفسه قطعتين دون انفصاله من شيء بعد ما كان جزء منه.
ومثله في السقوط ما قيل: إن معنى انشقاق القمر انكشاف الظلمة عند طلوعه وكذا ما قيل: إن انشقاق القمر كناية عن ظهور الأمر ووضوح الحق.
والآية لا تخلو من إشعار بأن انشقاق القمر من لوازم اقتراب الساعة.
قوله تعالى:"و إن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر"الاستمرار من الشيء مرور منه بعد مرور مرة بعد مرة ، ولذا يطلق على الدوام والاطراد فقولهم: سحر مستمر أي سحر بعد سحر مداوما.
وقوله:"آية"نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم ، والمعنى وكل آية يشاهدونها يقولون فيها أنها سحر بعد سحر ، وفسر بعضهم المستمر بالمحكم الموثق ، وبعضهم بالذاهب الزائل ، وبعضهم بالمستبشع المنفور ، وهي معان بعيدة.