فقد تضمن قوله:"قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن"إلخ ، الإشارة إلى خطئهم من الجهتين جميعا: إحداهما: خطئهم من جهة توجيه المن إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو رسول ليس له من الأمر شيء ، وإليه الإشارة بقوله:"لا تمنوا علي إسلامكم".
وثانيهما: أن المن - لو كان هناك من - إنما هو بالإيمان دون الإسلام ، وإليه الإشارة بتبديل الإسلام من الإيمان.
قوله تعالى:"إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون"ختم للسورة وتأكيد يعلل ويؤكد به جميع ما تقدم في السورة من النواهي والأوامر وما بين فيها من الحقائق وما أخبر فيها عن إيمان قوم وعدم إيمان آخرين فالآية تعلل بمضمونها جميع ذلك.
والمراد بغيب السماوات والأرض ما فيها من الغيب أو الأعم مما فيهما ومن الخارج منهما.
في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا - لا يسخر قوم من قوم"قال: نزلت في قوم من بني تميم استهزءوا من بلال وسلمان وعمار وخباب وصهيب وابن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة. وفي المجمع ،: نزل قوله:"لا يسخر قوم من قوم"في ثابت بن قيس بن شماس وكان في أذنه وقر وكان إذا دخل المسجد تفسحوا له حتى يقعد عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيسمع ما يقول. فدخل المسجد يوما والناس قد فرغوا من الصلاة وأخذوا مكانهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا تفسحوا حتى انتهى إلى رجل فقال له: أصبت مجلسا فاجلس فجلس خلفه مغضبا فلما انجلت الظلمة قال: من هذا؟ قال الرجل: أنا فلان فقال ثابت: ابن فلانة ذكر أما له كان يعير بها في الجاهلية فنكس الرجل رأسه حياء فنزلت الآية.: عن ابن عباس. وفيه ،: وقوله:"و لا نساء من نساء"نزل في نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سخرن من أم سلمة.: عن أنس.: وذلك أنها ربطت حقويها بسبيبة وهي ثوب أبيض وسدلت طرفيها خلفها فكانت تجره فقالت عائشة لحفصة: انظري ما ذا تجر خلفها كأنه لسان كلب فهذه كانت سخريتهما ، وقيل: إنها عيرتها بالقصر ، وأشارت بيدها أنها قصيرة.: عن الحسن. وفي الدر المنثور ، أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب ، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والبغوي في معجمه ، وابن حبان والشيرازي في الألقاب ، والطبراني وابن السني في عمل اليوم والليلة ، والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان ، عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة"و لا تنابزوا بالألقاب"قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة فكان إذا دعا أحدهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله إنه يكره هذا الاسم فأنزل الله"و لا تنابزوا بالألقاب". وفيه ، أخرج ابن أبي حاتم عن السدي: أن سلمان الفارسي كان مع رجلين في سفر يخدمهما وينال من طعامهما وأن سلمان نام نوما فطلبه صاحباه فلم يجداه فضربا الخباء وقالا ما يريد سلمان شيئا غير هذا أن يجيء إلى طعام معدود وخباء مضروب فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يطلب لهما إداما فانطلق فأتاه فقال: يا رسول الله بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك. قال: ما يصنع أصحابك بالأدم؟ قد ائتدموا. فرجع سلمان فخبرهما فانطلقا فأتيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالا: والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعاما منذ نزلنا. قال: إنكما قد ائتدمتما سلمان بقولكما. فنزلت"أ يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا". وفيه ، أخرج الضياء المقدسي عن أنس قال: كانت العرب يخدم بعضها بعضا في الأسفار وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما فناما واستيقظا ولم يهيىء لهما طعاما فقالا: إن هذا لنئوم فأيقظاه فقالا: ائت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام ويستأدمانك ، فقال: إنهما ائتدما ، فجاءاه فقالا يا رسول الله بأي شيء ائتدمنا؟ قال: بلحم أخيكما ، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما ، فقالا: استغفر لنا يا رسول الله. قال: مراه فليستغفر لكما.