و قد نفي في الآية الإيمان عنهم وأوضحه بأنه لم يدخل في قلوبهم بعد وأثبت لهم الإسلام ، ويظهر به الفرق بين الإيمان والإسلام بأن الإيمان معنى قائم بالقلب من قبيل الاعتقاد ، والإسلام أمر قائم باللسان والجوارح فإنه الاستسلام والخضوع لسانا بالشهادة على التوحيد والنبوة وعملا بالمتابعة العملية ظاهرا سواء قارن الاعتقاد بحقية ما شهد عليه وعمل به أو لم يقارن ، وبظاهر الشهادتين تحقن الدماء وعليه تجري المناكح والمواريث.
وقوله:"و إن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا"الليت النقص يقال: لاته يليته ليتا إذا نقصه ، والمراد بالإطاعة الإخلاص فيها بموافقة الباطن للظاهر من غير نفاق ، وطاعة الله استجابة ما دعا إليه من اعتقاد وعمل ، وطاعة رسوله تصديقه واتباعه فيما يأمر به فيما له الولاية عليه من أمور الأمة ، والمراد بالأعمال جزاؤها المراد بنقص الأعمال نقص جزائها.
والمعنى: وإن تطيعوا الله فيما يأمركم به من اتباع دينه اعتقادا ، وتطيعوا الرسول فيما يأمركم به لا ينقص من أجور أعمالكم شيئا ، وقوله:"إن الله غفور رحيم"تعليل لعدم نقصه تعالى أعمالهم إن أطاعوه ورسوله.
قوله تعالى:"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون"تعريف تفصيلي للمؤمنين بعد ما عرفوا إجمالا بأنهم الذين دخل الإيمان في قلوبهم كما هو لازم قوله:"لم تؤمنوا"و"لما يدخل الإيمان في قلوبكم".
فقوله:"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله"فيه قصر المؤمنين في الذين آمنوا بالله ورسوله إلخ ، فتفيد تعريفهم بما ذكر من الأوصاف تعريفا جامعا مانعا فمن اتصف بها مؤمن حقا كما أن من فقد شيئا منها ليس بمؤمن حقا.
والإيمان بالله ورسوله عقد القلب على توحيده تعالى وحقية ما أرسل به رسوله وعلى صحة الرسالة واتباع الرسول فيما يأمر به.
وقوله:"ثم لم يرتابوا"أي لم يشكوا في حقية ما آمنوا به وكان إيمانهم ثابتا مستقرا لا يزلزله شك ، والتعبير بثم دون الواو - كما قيل - للدلالة على انتفاء عروض الريب حينا بعد حين كأنه طري جديد دائما فيفيد ثبوت الإيمان على استحكامه الأولى ولو قيل: ولم يرتابوا كان من الجائز أن يصدق مع الإيمان أولا مقارنا لعدم الارتياب مع السكوت عما بعد.
وقوله:"و جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله"المجاهدة بذل الجهد والطاقة وسبيل الله دينه ، والمراد بالمجاهدة بالأموال والأنفس العمل بما تسعه الاستطاعة وتبلغه الطاقة في التكاليف المالية كالزكاة وغير ذلك من الإنفاقات الواجبة ، والتكاليف البدنية كالصلاة والصوم والحج وغير ذلك.
والمعنى: ويجدون بإتيان التكاليف المالية والبدنية حال كونهم أو حال كون عملهم في دين الله وسبيله.
وقوله:"أولئك هم الصادقون"تصديق في إيمانهم إذا كانوا على الصفات المذكورة.
قوله تعالى:"قل أ تعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم"توبيخ للأعراب حيث قالوا: آمنا ولازمه دعوى الصدق في قولهم والإصرار على ذلك ، وقيل: لما نزلت الآية السابقة حلفت الأعراب أنهم مؤمنون صادقون في قولهم: آمنا ، فنزل:"قل أ تعلمون الله بدينكم"الآية ، ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى:"يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين"أي يمنون عليك بأن أسلموا وقد أخطئوا في منهم هذا من وجهين أحدهما أن حقيقة النعمة التي فيها المن هو الإيمان الذي هو مفتاح سعادة الدنيا والآخرة دون الإسلام الذي له فوائد صورية من حقن الدماء وجواز المناكح والمواريث ، وثانيهما أن ليس للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أمر الدين إلا أنه رسول مأمور بالتبليغ فلا من عليه لأحد ممن أسلم.
فلو كان هناك من لكان لهم على الله سبحانه لأن الدين دينه لكن لا من لأحد على الله لأن المنتفع بالدين في الدنيا والآخرة هم المؤمنون دون الله الغني على الإطلاق فالمن لله عليهم أن هداهم له.
وقد بدل ثانيا الإسلام من الإيمان للإشارة إلى أن المن إنما هو بالإيمان دون الإسلام الذي إنما ينفعهم في الظاهر فقط.