و الحق أن قوله:"و جعلناكم شعوبا وقبائل"إن كان ظاهرا في ذم التفاخر بالأنساب فأول الوجهين أوجه ، وإلا فالثاني لكونه أعم وأشمل.
وقوله:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم"استئناف مبين لما فيه الكرامة عند الله سبحانه ، وذلك أنه نبههم في صدر الآية على أن الناس بما هم ناس يساوي بعضهم بعضا لا اختلاف بينهم ولا فضل لأحدهم على غيره ، وأن الاختلاف المترائي في الخلقة من حيث الشعوب والقبائل إنما هو للتوصل به إلى تعارفهم ليقوم به الاجتماع المنعقد بينهم إذ لا يتم ائتلاف ولا تعاون وتعاضد من غير تعرف فهذا هو غرض الخلقة من الاختلاف المجعول لا أن تتفاخروا بالأنساب وتتفاضلوا بأمثال البياض والسواد فيستعبد بذلك بعضهم بعضا ويستخدم إنسان إنسانا ويستعلي قوم على قوم فينجر إلى ظهور الفساد في البر والبحر وهلاك الحرث والنسل فينقلب الدواء داء.
ثم نبه سبحانه في ذيل الآية بهذه الجملة أعني قوله:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم"على ما فيه الكرامة عنده ، وهي حقيقة الكرامة.
وذلك أن الإنسان مجبول على طلب ما يتميز به من غيره ويختص به من بين أقرانه من شرف وكرامة ، وعامة الناس لتعلقهم بالحياة الدنيا يرون الشرف والكرامة في مزايا الحياة المادية من مال وجمال ونسب وحسب وغير ذلك فيبذلون جل جهدهم في طلبها واقتنائها ليتفاخروا بها ويستعلوا على غيرهم.
وهذه مزايا وهمية لا تجلب لهم شيئا من الشرف والكرامة دون أن توقعهم في مهابط الهلكة والشقوة ، والشرف الحقيقي هو الذي يؤدي الإنسان إلى سعادته الحقيقية وهو الحياة الطيبة الأبدية في جوار رب العزة وهذا الشرف والكرامة هو بتقوى الله سبحانه وهي الوسيلة الوحيدة إلى سعادة الدار الآخرة ، وتتبعها سعادة الدنيا قال تعالى:"تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة": الأنفال: 67 ، وقال:"و تزودوا فإن خير الزاد التقوى": البقرة: 197 ، وإذا كانت الكرامة بالتقوى فأكرم الناس عند الله أتقاهم كما قال تعالى.
وهذه البغية والغاية التي اختارها الله بعلمه غاية للناس لا تزاحم فيها ولا تدافع بين المتلبسين بها على خلاف الغايات والكرامات التي يتخذها الناس بحسب أوهامهم غايات يتوجهون إليها ويتباهون بها كالغنى والرئاسة والجمال وانتشار الصيت وكذا الأنساب وغيرها.
وقوله:"إن الله عليم خبير"فيه تأكيد لمضمون الآية وتلويح إلى أن الذي اختاره الله كرامة للناس كرامة حقيقية اختارها الله بعلمه وخبرته بخلاف ما اختاره الناس كرامة وشرفا لأنفسهم فإنها وهمية باطلة فإنها جميعا من زينة الحياة الدنيا قال تعالى:"و ما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون": العنكبوت: 64.
وفي الآية دلالة على أن من الواجب على الناس أن يتبعوا في غايات الحياة أمر ربهم ويختاروا ما يختاره ويهدي إليه وقد اختار لهم التقوى كما أن من الواجب عليهم أن يختاروا من سنن الحياة ما يختاره لهم من الدين.
قوله تعالى:"قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم"إلخ الآية وما يليها إلى آخر السورة متعرضة لحال الأعراب في دعواهم الإيمان ومنهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإيمانهم ، وسياق نقل قولهم وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيبهم بقوله:"لم تؤمنوا"يدل على أن المراد بالأعراب بعض الأعراب البادين دون جميعهم ، ويؤيده قوله:"و من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر": التوبة: 99.
وقوله:"قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا"أي قالوا لك آمنا وادعوا الإيمان قل لم تؤمنوا وكذبهم في دعواهم ، وقوله:"و لكن قولوا أسلمنا"استدراك مما يدل عليه سابق الكلام ، والتقدير: فلا تقولوا آمنا ولكن قولوا: أسلمنا.
وقوله:"و لما يدخل الإيمان في قلوبكم"لنفي دخول الإيمان في قلوبهم مع انتظار دخوله ، ولذلك لم يكن تكرارا لنفي الإيمان المدلول عليه بقوله:"لم تؤمنوا".