38 سورة ص - 41 - 48
وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيّوب إِذْ نَادَى رَبّهُ أَنى مَسنىَ الشيْطنُ بِنُصبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُض بِرِجْلِك هَذَا مُغْتَسلُ بَارِدٌ وَشرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنّا وَذِكْرَى لأُولى الأَلْبَبِ (43) وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضرِب بِّهِ وَلا تحْنَث إِنّا وَجَدْنَهُ صابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَدَنَا إِبْرَهِيمَ وَإِسحَقَ وَيَعْقُوب أُولى الأَيْدِى وَالأَبْصرِ (45) إِنّا أَخْلَصنَهُمْ بخَالِصةٍ ذِكرَى الدّارِ (46) وَإِنهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصطفَينَ الأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسمَعِيلَ وَالْيَسعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكلّ مِّنَ الأَخْيَارِ (48)
القصة الثالثة مما أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصبر ويذكرها وهي قصة أيوب النبي (عليه السلام) وما ابتلي به من المحنة ثم أكرمه الله بالعافية والعطية.
ثم الأمر بذكر إبراهيم وخمسة من ذريته من الأنبياء (عليهم السلام) .
قوله تعالى:"و اذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب"دعاء منه (عليه السلام) وسؤال للعافية وأن يكشف عنه ربه ما أصابه من سوء الحال ، ولم يصرح بما يريده ويسأله تواضعا وتذللا غير أن نداءه تعالى بلفظ ربي يشعر بأنه يناديه لحاجة.
والنصب التعب ، وقوله:"إذ نادى"إلخ بدل اشتمال من"عبدنا"أو"أيوب"وقوله:"أني مسني"إلخ حكاية ندائه.
والظاهر من الآيات التالية أن مراده من النصب والعذاب ما أصابه من سوء الحال في بدنه وأهله وهو الذي ذكره عنه (عليه السلام) في سورة الأنبياء من ندائه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين بناء على شمول الضر مصيبته في نفسه وأهله ولم يشر في هذه السورة ولا في سورة الأنبياء إلى ذهاب ماله وإن وقع ذكر المال في الروايات.
والظاهر أن المراد من مس الشيطان له بالنصب والعذاب استناد نصبه وعذابه من الشيطان بنحو من السببية والتأثير وهو الذي يظهر من الروايات ، ولا ينافي استناد المرض ونحوه إلى الشيطان استناده أيضا إلى بعض الأسباب العادية الطبيعية لأن السببين ليسا عرضيين متدافعين بل أحدهما في طول الآخر وقد أوضحنا ذلك في تفسير قوله تعالى:"و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء:"الأعراف: - 96 في الجزء الثامن من الكتاب.
ولا دليل يدل على امتناع وقوع هذا النوع من التأثير للشيطان في الإنسان وقد قال تعالى:"إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان:"المائدة: - 90 فنسبها أنفسها إليه ، وقال حاكيا عن موسى (عليه السلام) :"هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين:"القصص: - 15 يشير إلى الاقتتال.
ولو أغمض عن الروايات أمكن أن يحتمل أن يكون المراد بانتساب ذلك إلى الشيطان إغراؤه الناس بوسوسته أن يتجنبوا من الاقتراب منه وابتعادهم وطعنهم فيه أن لو كان نبيا لم تحط به البلية من كل جانب ولم يصر إلى ما صار إليه من العاقبة السوأى وشماتتهم واستهزائهم به.
وقد أنكر في الكشاف ، ما تقدم من الوجه قائلا: لا يجوز أن يسلط الله الشيطان على أنبيائه (عليهم السلام) ليقضي من تعذيبهم وإتعابهم وطره ولو قدر على ذلك لم يدع صالحا إلا وقد نكبه وأهلكه ، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب.
انتهى.
وفيه أن الذي يخص الأنبياء وأهل العصمة أنهم لمكان عصمتهم في أمن من تأثير الشيطان في نفوسهم بالوسوسة ، وأما تأثيره في أبدانهم وسائر ما ينسب إليهم بإيذاء أو إتعاب أو نحو ذلك من غير إضلال فلا دليل يدل على امتناعه ، وقد حكى الله سبحانه عن فتى موسى وهو يوشع النبي (عليه السلام) :"فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره:"الكهف: - 63.
ولا يلزم من تسلطه على نبي بالإيذاء والإتعاب لمصلحة تقتضيه كظهور صبره في الله سبحانه وأوبته إليه أن يقدر على ما يشاء فيمن يشاء من عباد الله تعالى إلا أن يشاء الله ذلك وهو ظاهر.