فهرس الكتاب

الصفحة 585 من 4314

فهم لاستحكام الكبر والبغي وحب الشهوات في أنفسهم يجرون على طبق ما تدعوهم إليه فريتهم فكانت فريتهم هي الغارة لهم في دينهم ، وهم مع ذلك كرروا ذكر ما افتروه على الله سبحانه ولم يزالوا يكررونه ويلقنونه أنفسهم حتى أذعنوا به أي اطمأنوا وركنوا إليه بالتلقين الذي يؤثر أثر العلم كما بينه علماء النفس فصارت الفرية الباطلة بالتكرار والتلقين تغرهم في دينهم وتمنعهم عن التسليم لله والخضوع للحق الذي أنزله في كتابه.

قوله تعالى: فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه إلى آخر الآية ، مدخول كيف مقدر يدل عليه الكلام مثل يصنعون ونحوه ، وفي الآية إيعاد لهؤلاء الذين تولوا إذا دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم وهم معرضون غير أنه لما أريد بيان أنهم غير معجزين لله سبحانه أخذ في الكلام من حالهم يوم القيامة وهم مستسلمون يومئذ ما يضاهي حالهم في الدنيا عند الدعوة إلى حكم كتاب الله وهم غير مسلمين له مستكبرون عنه ، ولهذا أخذ بالمحاذاة بين الكلامين ، وعبر عن ما يجري عليهم يوم القيامة بمثل قوله: إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه"الخ"دون أن يقال: إذا أحييناهم أو بعثناهم أو ما يماثل ذلك.

والمعنى - والله أعلم - أنهم يتولون ويعرضون إذا دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم اغترارا بما افتروه في دينهم واستكبارا عن الحق فكيف يصنعون إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه وهو يوم القضاء الفصل ، والحكم الحق ووفيت كل نفس ما كسبت والحكم حكم عدل وهم لا يظلمون ، وإذا كان كذلك كان الواجب عليهم أن لا يتولوا ويعرضوا مظهرين بذلك أنهم معجزون لله غالبون على أمره فإن القدرة كله لله وما هي إلا أيام مهلة وفتنة.

في تفسير العياشي ، عن محمد بن مسلم قال: سألته عن قوله إن الدين عند الله الإسلام فقال: الذي فيه الإيمان.

وعن ابن شهرآشوب عن الباقر (عليه السلام) : في قوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام الآية قال التسليم: لعلي بن أبي طالب بالولاية.

أقول: وهو من الجري ، ولعل ذلك هو المراد أيضا من الرواية السابقة.

وعنه أيضا عن علي (عليه السلام) قال: لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي ، ولا ينسبها أحد بعدي الإسلام هو التسليم ، والتسليم هو اليقين ، واليقين هو التصديق ، والتصديق هو الإقرار ، والإقرار هو الأداء ، والأداء هو العمل ، المؤمن أخذ دينه عن ربه ، إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله ، وإن الكافر يعرف كفره بإنكاره. أيها الناس! دينكم دينكم فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره إن السيئة فيه تغفر ، وإن الحسنة في غيره لا تقبل.

أقول: قوله (عليه السلام) : لأنسبن الإسلام نسبة ، المراد بالنسبة التعريف كما سميت سورة التوحيد في الأخبار بنسبة الرب والذي عرف به تعريف باللازم في غير الأول أعني قوله: الإسلام هو التسليم فإنه تعريف لفظي عرف فيه اللفظ بلفظ آخر أوضح منه ، ويمكن أن يراد بالإسلام المعنى الاصطلاحي له وهو هذا الدين الذي أتى به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إشارة إلى قوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام ، وبالتسليم الخضوع والانقياد ذاتا وفعلا فيعود الجميع إلى التعريف باللازم.

والمعنى: أن هذا الدين المسمى بالإسلام يستتبع خضوع الإنسان لله سبحانه ذاتا وفعلا ، ووضعه نفسه وأعماله تحت أمره وإرادته وهو التسليم والتسليم ، لله يستتبع أو يلزم اليقين بالله وارتفاع الريب فيه واليقين يستتبع التصديق وإظهار صدق الدين ، والتصديق يستتبع الإقرار وهو الإذعان بقراره وكونه ثابتا لا يتزلزل في مقره ولا يزول عن مكانه ، وإقراره يستتبع أداءه وأداؤه يستتبع العمل.

وقوله (عليه السلام) : وإن الحسنة في غيره لا تقبل المراد بعدم القبول عدم الثواب بإزائه في الآخرة ، أو عدم الأثر الجميل المحمود عند الله في الدنيا بسعادة الحيوة وفي الآخرة بنعيم الجنة فلا ينافي ما ورد أن الكفار يوجرون في مقابل حسناتهم بشيء من حسنات الدنيا ، قال تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره": الزلزال - 7."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت