فهرس الكتاب

الصفحة 2931 من 4314

و قد سمى الله سبحانه معصية المجرمين وهم المعرضون عن ذكره التاركون لهداه نسيانا لآياته ، ومجازاتهم بالإعماء يوم القيامة نسيانا منه لهم وانعطف بذلك آخر الكلام إلى أوله وهو معصية آدم التي سماها نسيانا لعهده إذ قال:"و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي"فكأن قصة جنة آدم بما لها من الخصوصيات كانت مثالا من قبل يمثل به ما سيجري على بنيه من بعده إلى يوم القيامة فيمثل بنهيه عن اقتراب الشجرة الدعوة الدينية والهدى الإلهي بعده ، وبمعصيته التي كانت نسيانا للعهد معاصي بنيه التي هي نسيان لذكره تعالى وآياته المذكرة ، وإنما الفرق أن ابتلاء آدم كان قبل تشريع الشرائع فكان النهي المتوجه إليه إرشاديا وما ابتلي به من المخالفة من قبيل ترك الأولى بخلاف الأمر في بنيه.

في تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما"قال: فيما نهاه عنه من أكل الشجرة.

وفي تفسير العياشي ، عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته كيف أخذ الله آدم بالنسيان؟ فقال: إنه لم ينس وكيف ينسى وهو يذكره ويقول له إبليس:"ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة - إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين".

أقول: وهذا قول من قال في الآية بأن النسيان بمعناه الحقيقي وأن آدم نسي النهي عند الأكل حقيقة ولم يكن له عزم على المعصية أصلا ، رد (عليه السلام) ذلك بمخالفة الكتاب ، وبه يظهر ضعف ما رواه في روضة الكافي بإسناده عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى عهد إلى آدم أن لا يقرب هذه الشجرة ، فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل منها ، وهو قول الله تعالى:"و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما".

وهذا القول منسوب إلى ابن عباس والأصل فيه ما رواه في الدر المنثور ، عن الزبير بن بكار في الموفقيات عن ابن عباس قال: سألت عمر بن الخطاب عن قول الله:"يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"قال: كان رجال من المهاجرين في أنسابهم شيء فقالوا يوما: والله لوددنا أن الله أنزل قرآنا في نسبنا فأنزل الله ما قرأت. ثم قال لي: إن صاحبكم هذا يعني علي بن أبي طالب إن ولي زهد ولكني أخشى عجب نفسه أن يذهب به. قلت: يا أمير المؤمنين إن صاحبنا من قد علمت والله ما نقول: إنه غير ولا عدل ولا أسخط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيام صحبته. فقال: ولا في بنت أبي جهل وهو يريد أن يخطبها على فاطمة؟ قلت: قال الله في معصية آدم (عليه السلام) :"و لم نجد له عزما"وصاحبنا لم يعزم على إسخاط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن الخواطر التي لم يقدر أحد على دفعها عن نفسه ، وربما كانت من الفقيه في دين الله العالم بأمر الله فإذا نبه عليها رجع وأناب فقال: يا بن عباس من ظن أنه يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزا.

فقد بنى حجته على كون المراد بالعزم العزم على المعصية ولازمه كون المراد بالنسيان معناه الحقيقي ، فآدم لم يذكر العهد حين الأكل ولا عزم على المعصية فلم يعص ربه ، وقد تقدم أنه مخالف لقوله:"قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين"على أن الآية بالمعنى الذي ذكره لا تناسب سياق الآيات السابقة عليها ولا اللاحقة ، ومن الحري أن يجل ابن عباس وهو هو عن أن ينسب إليه هذا القول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت