و لو أنه عرف مقام ربه ذاكرا غير ناس أيقن أن له حياة عند ربه لا يخالطها موت وملكا لا يعتريه زوال وعزة لا يشوبها ذلة وفرحا وسرورا ورفعة وكرامة لا تقدر بقدر ولا تنتهي إلى أمد وأن الدنيا دار مجاز وما حياتها في الآخرة إلا متاع فلو عرف ذلك قنعت نفسه بما قدر له من الدنيا ووسعه ما أوتيه من المعيشة من غير ضيق وضنك.
وقيل: المراد بالمعيشة الضنك عذاب القبر وشقاء الحياة البرزخية بناء على أن كثيرا من المعرضين عن ذكر الله ربما نالوا من المعيشة أوسعها وألقت إليهم أمور الدنيا بأزمتها فهم في عيشة وسيعة سعيدة.
وفيه أنه مبني على مقايسة معيشة الغني من معيشة الفقير بالنظر إلى نفس المعيشتين والإمكانات التي فيهما ولا يتعلق نظر القرآن بهما من هذه الجهة البتة ، وإنما تبحث الآيات فيهما بمقايسة المعيشة المضافة إلى المؤمن وهو مسلح بذكر الله والإيمان به من المعيشة المضافة إلى الكافر الناسي لربه المتعلق النفس بالحياة الدنيا الأعزل من الإيمان ولا ريب أن للمؤمن حياة حرة سعيدة يسعه ما أكرمه ربه به من معيشة وإن كانت بالعفاف والكفاف أو دون ذلك ، وليس للمعرض عن ذكر ربه إلا عدم الرضا بما وجد والتعلق بما وراءه.
نعم عذاب القبر من مصاديق المعيشة الضنك بناء على كون قوله:"فإن له معيشة ضنكا"متعرضا لبيان حالهم في الدنيا وقوله:"و نحشره يوم القيامة أعمى"لبيان حالهم في الآخرة والبرزخ من أذناب الدنيا.
وقيل: المراد بالمعيشة الضنك عذاب النار يوم القيامة ، وبقوله:"و نحشره"إلخ ، ما قبل دخول النار.
وفيه أن إطلاق قوله:"فإن له معيشة ضنكا"ثم تقييد قوله:"و نحشره"بيوم القيامة لا يلائمه وهو ظاهر.
نعم لو أخذ أول الآية مطلقا يشمل معيشة الدنيا والآخرة جميعا وآخرها لتقيده بيوم القيامة مختصا بالآخرة كان له وجه.
وقوله:"و نحشره يوم القيامة أعمى"أي بحيث لا يهتدي إلى ما فيه سعادته وهو الجنة والدليل على ذلك ما يأتي في الآيتين التاليتين.
قوله تعالى:"قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا"يسبق إلى الذهن أن عمى يوم القيامة يتعلق ببصر الحس فإن الذي يسأل عنه هو ذهاب البصر الذي كان له في الدنيا وهو بصر الحس دون بصر القلب الذي هو البصيرة ، فيشكل عليه ظاهر ما دل على أن المجرمين يبصرون يوم القيامة أهوال اليوم وآيات العظمة والقهر كقوله تعالى:"إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا": الم السجدة: 12 ، وقوله:"اقرأ كتابك:"الإسراء: 14 ، ولذلك ذكر بعضهم أنهم يحشرون أولا مبصرين ثم يعمون ، وبعضهم أنهم يحشرون مبصرين ثم عميا ثم مبصرين.
وهذا قياس أمور الآخرة وأحوالها بما لها من نظير في الدنيا وهو قياس مع الفارق فإن من الظاهر المسلم من الكتاب والسنة أن النظام الحاكم في الآخرة غير النظام الحاكم في الدنيا الذي نألفه من الطبيعة وكون البصير مبصرا لكل مبصر والأعمى غير مدرك لكل ما من شأنه أن يرى كما هو المشهود في النظام الدنيوي لا دليل على عمومه للنظام الأخروي فمن الجائز أن يتبعض الأمر هناك فيكون المجرم أعمى لا يبصر ما فيه سعادة حياته وفلاحه وفوزه بالكرامة وهو يشاهد ما يتم به الحجة عليه وما يفزعه من أهوال القيامة وما يشتد به العذاب عليه من النار وغيرها ، قال تعالى:"إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون:"المطففين: 15.
قوله تعالى:"قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى"الآية جواب سؤال السائل:"رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا"والإشارة في قوله:"كذلك أتتك"إلى حشره أعمى المذكور في السؤال ، وفي قوله:"و كذلك اليوم"إلى معنى قوله:"أتتك آياتنا فنسيتها"والمعنى قال: كما حشرناك أعمى أتتك آياتنا فنسيتها وكما أتتك آياتنا فنسيتها ننساك اليوم أي إن حشرك اليوم أعمى وتركك لا تبصر شيئا مثل تركك آياتنا في الدنيا كما يترك الشيء المنسي وعدم اهتدائك بها مثل تركنا لك اليوم وعدم هدايتك بجعلك بصيرا تهتدي إلى النجاة ، وبعبارة أخرى إنما جازيناك في هذا اليوم بمثل ما فعلت في الدنيا كما قال تعالى:"و جزاء سيئة سيئة مثلها:"الشورى: 40.