و وجه عدم الورود أن ظاهر تفرع الهداية على الاجتباء كونه مهديا إلى ما كان الاجتباء له والاجتباء إنما يتعلق بما فيه السعادة الدينية وهو قصر العبودية في الله سبحانه فالهداية أيضا متعلقة بذلك وهي الهداية التي لا واسطة فيها بينه تعالى وبين العبد المهدي ولا تتخلف أصلا كما قال:"فإن الله لا يهدي من يضل:"النحل: 37 ، والهداية إلى منافع الحياة أيضا وإن كانت راجعة إليه تعالى لكنها مما تتخلل الأسباب فيها بينها وبينه تعالى والأسباب ربما تخلفت ، فافهم ذلك.
قوله تعالى:"قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو"تقدم تفسير مثله في سورتي البقرة والأعراف.
وفي قوله:"قال اهبطا"التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة والإفراد ولعل الوجه فيه اشتمال الآية على القضاء والحكم وهو مما يختص به تعالى قال:"و الله يقضي بالحق": المؤمن: 20 ، وقال:"إن الحكم إلا لله": يوسف: 67.
قوله تعالى:"فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى"في الآية قضاء منه تعالى متفرع على الهبوط ولذا عطف بفاء التفريع ، وأصل قوله:"فإما يأتينكم"فإن يأتكم زيد عليه ما ونون التأكيد للإشارة إلى وقوع الشرط كأنه قيل: إن يأتكم مني هدى - وهو لا محالة آت - فمن اتبع"إلخ".
وفي قوله:"فمن اتبع هداي"نسبة الاتباع إلى الهدى على طريق الاستعارة بالكناية ، وأصله: من اتبع الهادي الذي يهدي بهداي.
وقوله:"فلا يضل ولا يشقى"أي لا يضل في طريقه ولا يشقى في غايته التي هي عاقبة أمره ، وإطلاق الضلال والشقاء يقضي بنفي الضلال والشقاء عنه في الدنيا والآخرة جميعا وهو كذلك فإن الهدى الإلهي هو الدين الفطري الذي دعا إليه بلسان أنبيائه ، ودين الفطرة هو مجموع الاعتقادات والأعمال التي تدعو إليها فطرة الإنسان وخلقته بحسب ما جهز به من الجهازات ، ومن المعلوم أن سعادة كل شيء هو ما تستدعيه خلقته بما لها من التجهيز لا سعادة له وراءه ، قال تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم:"الروم: 30.
قوله تعالى:"و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى"قال الراغب: العيش الحياة المختصة بالحيوان وهو أخص من الحياة لأن الحياة يقال في الحيوان وفي الباري تعالى وفي الملك ويشتق منه المعيشة لما يتعيش منه ، قال تعالى:"نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا""معيشة ضنكا"انتهى ، والضنك هو الضيق من كل شيء ويستوي فيه المذكر والمؤنث ، يقال: مكان ضنك ومعيشة ضنك وهو في الأصل مصدر ضنك يضنك من باب شرف يشرف أي ضاق.
وقوله:"و من أعرض عن ذكري"يقابل قوله في الآية السابقة:"فمن اتبع هداي"وكان مقتضى المقابلة أن يقال:"و من لم يتبع هداي"وإنما عدل عنه إلى ذكر الإعراض عن الذكر ليشير به إلى علة الحكم لأن نسيانه تعالى والإعراض عن ذكره هو السبب لضنك العيش والعمى يوم القيامة ، وليكون توطئة وتمهيدا لما سيذكر من نسيانه تعالى يوم القيامة من نسيه في الدنيا.
والمراد بذكره تعالى أما المعنى المصدري فقوله:"ذكري"من إضافة المصدر إلى مفعوله أو القرآن أو مطلق الكتب السماوية كما يؤيده قوله الآتي:"أتتك آياتنا فنسيتها"أو الدعوة الحقة وتسميتها ذكرا لأن لازم اتباعها والأخذ بها ذكره تعالى.
وقوله:"فإن له معيشة ضنكا"أي ضيقة وذلك أن من نسي ربه وانقطع عن ذكره لم يبق له إلا أن يتعلق بالدنيا ويجعلها مطلوبه الوحيد الذي يسعى له ويهتم بإصلاح معيشته والتوسع فيها والتمتع منها ، والمعيشة التي أوتيها لا تسعه سواء كانت قليلة أو كثيرة لأنه كلما حصل منها واقتناها لم يرض نفسه بها وانتزعت إلى تحصيل ما هو أزيد وأوسع من غير أن يقف منها على حد فهو دائما في ضيق صدر وحنق مما وجد متعلق القلب بما وراءه مع ما يهجم عليه من الهم والغم والحزن والقلق والاضطراب والخوف بنزول النوازل وعروض العوارض من موت ومرض وعاهة وحسد حاسد وكيد كائد وخيبة سعي وفراق حبيب.