و كان مقتضى الظاهر في قوله:"فلا يجزى الذين عملوا"إلخ ، الإضمار ولعل في وضع الموصول موضع الضمير إشارة إلى أن هذا الجزاء إنما هو لمن أكثر من اقتراف المعصية وأحاطت به الخطيئة كما يفيده جمع السيئات ، وقوله:"كانوا يعملون"الدال على الإصرار والاستمرار ، وأما من جاء بالسيئة والحسنة فمن المرجو أن يغفر الله له كما قال:"و آخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم": التوبة: 102.
وليعلم أن الملاك في الحسنة والسيئة على الأثر الحاصل منها عند الإنسان وبها تسمى الأعمال حسنة أو سيئة وعليها - لا على متن العمل الخارجي الذي هو نوع من الحركة - يثاب الإنسان أو يعاقب ، قال تعالى:"و إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله": البقرة: 284.
وبه يظهر الجواب عما استشكل على إطلاق الآية بأن التوحيد حسنة ولا يعقل خير منه وأفضل ، فالآية إما خاصة بغير الاعتقادات الحقة أو مخصصة بالتوحيد.
وذلك أن الأثر الحاصل من التوحيد يمكن أن يفرض ما هو خير منه وإن لم يقبله التوحيد بحسب الاعتبار.
على أن التوحيد أيا ما فرض يقبل الشدة والضعف والزيادة والنقيصة وإذا ضوعف عند الجزاء كما تقدم كان مضاعفه خيرا من غيره.
في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس: أن قارون كان من قوم موسى ، قال: كان ابن عمه وكان يبتغي العلم حتى جمع علما فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على موسى وحسده. فقال له موسى (عليه السلام) : إن الله أمرني أن آخذ الزكاة فأبى فقال: إن موسى يريد أن يأكل أموالكم جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء فاحتملتموها فتحتملوه أن تعطوه أموالكم؟ قالوا: لا نحتمل فما ترى؟ فقال لهم: أرى أن أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها فأرسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى أنه فجر بك. قالت نعم. فجاء قارون إلى موسى (عليه السلام) قال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك قال: نعم ، فجمعهم فقالوا له: بم أمرك ربك؟ قال: أمرني أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تصلوا الرحم وكذا وكذا وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن أن يرجم. قالوا: وإن كنت أنت؟ قال: نعم. قالوا: فإنك قد زنيت ، قال: أنا؟. فأرسلوا إلى المرأة فجاءت فقالوا: ما تشهدين على موسى؟ فقال لها موسى (عليه السلام) : أنشدتك بالله إلا ما صدقت. قالت: أما إذا نشدتني فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلا على أن أقذفك بنفسي وأنا أشهد أنك بريء وأنك رسول الله. فخر موسى (عليه السلام) ساجدا يبكي فأوحى الله إليه: ما يبكيك؟ قد سلطناك على الأرض فمرها فتطيعك ، فرفع رأسه فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى فقال: خذيهم فغيبتهم فأوحى الله: يا موسى سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم فوعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم. قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى:"فخسفنا به وبداره الأرض"خسف به إلى الأرض السفلى.
أقول: وروي فيه ، أيضا عن عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن ابن نوفل الهاشمي القصة: لكن فيها أن المرأة أحضرت إلى مجلس قارون لتشهد عند الملإ من بني إسرائيل على موسى (عليه السلام) بالفجور وتشكوه إلى قارون فجاءت إليه واعترفت عند الملإ بالحق فبلغ ذلك موسى (عليه السلام) فشكاه إلى ربه فسلطه الله عليه.
وروى القمي في تفسيره ،: في القصة أن موسى (عليه السلام) جاء إلى قارون وبلغه حكم الزكاة فاستهزأ به وأخرجه من داره فشكاه إلى ربه فسلطه الله عليه فخسف به وبداره الأرض ، والرواية موقوفة مشتملة على أمور منكرة ولذلك تركنا نقلها كما أن روايتي ابن عباس وابن نوفل أيضا موقوفتان.
على أن رواية ابن عباس تقصص بغيه على موسى (عليه السلام) والذي تقصه الآيات بغيه على بني إسرائيل ، وتشير إلى أن العلم الذي عنده هو ما حصله بالتعلم وظاهر الآية كما مر أنه العلم بطرق تحصيل الثروة ونحوها.