و الصابرون هم المتلبسون بالصبر عند الشدائد وعلى الطاعات وعن المعاصي ، ووجه كونهم هم المتلقين لهذه الكلمة أو السيرة أو الطريقة أن التصديق بكون ثواب الآخرة خيرا من الحظ الدنيوي - وهو لا ينفك عن الإيمان والعمل الصالح الملازمين لترك كثير من الأهواء والحرمان عن كثير من المشتهيات - لا يتحقق إلا ممن له صفة الصبر على مرارة مخالفة الطبع وعصيان النفس الأمارة.
قوله تعالى:"فخسفنا به وبداره الأرض"إلى آخر الآية ، الضميران لقارون والجملة متفرعة على بغيه.
وقوله:"فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين"الفئة الجماعة يميل بعضهم إلى بعض ، وفي النصر والانتصار معنى المنع والامتناع ، ومحصل المعنى: فما كان له جماعة يمنعونه العذاب وما كان من الممتنعين على خلاف ما كان يظن أن الذي يجلب إليه الخير ويدفع عنه الشر هو قوته وجمعه اللذان اكتسبهما بعلمه فلم يقه جمعه ولم تفده قوته من دون الله وبان أن الله سبحانه هو الذي آتاه ما آتاه.
فالفاء في قوله:"فما كان"لتفريع الجملة على قوله:"فخسفنا به"إلخ ، أي فظهر بخسفنا به وبداره الأرض بطلان ما كان يدعيه لنفسه من الاستحقاق والاستغناء عن الله سبحانه وأن الذي يجلب إليه الخير ويدفع عنه الشر هو قوته وجمعه وقد اكتسبهما بنبوغه العلمي.
قوله تعالى:"و أصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر"إلخ ، ذكروا أن"وي"كلمة تندم وربما تستعمل للتعجب وكلا المعنيين يقبلان الانطباق على المورد وإن كان التندم أسبق إلى الذهن.
وقوله:"كان الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر"اعتراف منهم ببطلان ما كان يزعمه قارون وهم يصدقونه أن القوة والجمع في الدنيا بنبوغ الإنسان في علمه وجودة تدبيره لا بفضل من الله سبحانه بل سعة الرزق وضيقه بمشية من الله.
والمقام مقام التحقيق دون التشبيه المناسب للشك والتردد لكنهم إنما استعملوا في كلامهم"كان"للدلالة على ابتداء ترددهم في قول قارون وقد قبلوه وصدقوه من قبل وهذه صنعة شائعة في الاستعمال.
والدليل على ذلك قولهم بعده:"لو لا أن من الله علينا لخسف بنا"على طريق الجزم والتحقيق.
وقوله:"ويكأنه لا يفلح الكافرون"تندم منهم ثانيا وانتزاع مما كان لازم تمنيتهم مكان قارون.
قوله تعالى:"تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين"الآية وما بعدها بمنزلة النتيجة المستخرجة من القصة.
وقوله:"تلك الدار الآخرة"الإشارة إليها بلفظ البعيد للدلالة على شرفها وبهائها وعلو مكانتها وهو الشاهد على أن المراد بها الدار الآخرة السعيدة ولذا فسروها بالجنة.
وقوله:"نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا"أي نختصها بهم وإرادة العلو هو الاستعلاء والاستكبار على عباد الله وإرادة الفساد فيها ابتغاء معاصي الله تعالى فإن الله بنى شرائعه التي هي تكاليف للإنسان على مقتضيات فطرته وخلقته ولا تقتضي فطرته إلا ما يوافق النظام الأحسن الجاري في الحياة الإنسانية الأرضية فكل معصية تقضي إلى فساد في الأرض بلا واسطة أو بواسطة ، قال تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس": الروم: 41.
ومن هنا ظهر أن إرادة العلو من مصاديق إرادة الفساد وإنما أفردت وخصت بالذكر اعتناء بأمرها ، ومحصل المعنى: تلك الدار الآخرة السعيدة تخصها بالذين لا يريدون فسادا في الأرض بالعلو على عباد الله ولا بأي معصية أخرى.
والآية عامة يخصصها قوله تعالى:"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما": النساء: 31.
وقوله:"و العاقبة للمتقين"أي العاقبة المحمودة الجميلة وهي الدار الآخرة السعيدة أو العاقبة السعيدة في الدنيا والآخرة لكن سياق الآيتين يؤيد الأول.
قوله تعالى:"من جاء بالحسنة فله خير منها"أي لأنها تتضاعف له بفضل من الله ، قال تعالى:"من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها": الأنعام: 160.
قوله تعالى:"و من جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون"أي لا يزيدون على ما عملوا شيئا وفيه كمال العدل ، كما أن في جزاء الحسنة بخير منها كمال الفضل.