فهرس الكتاب

الصفحة 3281 من 4314

و قوله:"و لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون"ظاهر السياق أن المراد به بيان السنة الإلهية في تعذيب المجرمين وإهلاكهم بذنوبهم فيكون كناية عن عدم إمهالهم والإصغاء إلى ما لفقوه من المعاذير أو هيئوه من التذلل والإنابة ليرجو بذلك النجاة كما أن أولي الطول والقوة من البشر إذا أرادوا تعذيب من يتحكمون عليه سألوه عن ذنبه ليقضوا عليه بالجرم ثم العذاب ، وربما صرف المجرم بما لفقه من المعاذير عذابهم عن نفسه لكن الله سبحانه لعلمه بحقيقة الحال لا يسأل المجرمين عن ذنوبهم وإنما يقضي عليهم قضاء فيأتيهم عذاب غير مردود.

والظاهر على هذا أن تكون الجملة من تتمة التوبيخ السابق ويكون جوابا عن إسناده ثروته إلى علمه ، ومحصله أن المؤاخذة الإلهية ليست كمؤاخذة الناس حتى إذا لاموه أو نصحوه صرف عن نفسه ذلك بما لفقه من الجواب حتى ينتفع في ذلك بعلمه ، بل هو سبحانه عليم شهيد لا يسأل المجرم عن ذنبه وإنما يؤاخذه بذنبه ، وأيضا يؤاخذه بغتة وهو لا يشعر.

هذا ما يعطيه السياق في معنى الآية ولهم فيها أقاويل أخرى: فقيل: المراد بالعلم في قوله:"إنما أوتيته على علم عندي"علم التوراة فإنه كان أعلم بني إسرائيل بها.

وقيل: المراد علم الكيمياء وكان قد تعلمه من موسى ويوشع بن نون وكالب بن يوقنا والمراد بكون العلم عنده اختصاصه به دون سائر الناس وقد صنع به مقدارا كثيرا من الذهب.

وقيل: المراد بالعلم علم استخراج الكنوز والدفائن وقد استخرج به كنوزا ودفائن كثيرة.

وقيل: المراد بالعلم علم الله تعالى والمعنى: أوتيته على علم من الله وتخصيص منه قصدني به ، ومعنى قوله:"عندي"هو كذلك في ظني ورأيي.

وقيل: العلم علم الله لكنه بمعنى المعلوم ، والمعنى أوتيته على خير علمه الله تعالى عندي ، و"على"على جميع هذه الأقوال للاستعلاء وجوز أن تكون للتعليل.

وقيل: المراد بالسؤال في قوله:"و لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون"سؤال يوم القيامة والمنفي سؤال الاستعلام لأن الله أعلم بذنوبهم لا حاجة له إلى السؤال والملائكة يعلمونها من صحائف أعمالهم ويعرفونهم بسيماهم وأما قوله تعالى:"و قفوهم إنهم مسئولون": الصافات: 24 فهو سؤال تقريع وتوبيخ لا سؤال استعلام ، ويمكن أن يكون السؤال في الآيتين بمعنى واحد والنفي والإثبات باعتبار اختلاف المواقف يوم القيامة فيسألون في موقف ولا يسألون في آخر فلا تناقض بين الآيتين.

وقيل: الضمير في قوله:"عن ذنوبهم"لمن هو أشد والمراد بالمجرمين غيرهم والمعنى: لا يسأل عن ذنوب من أهلكه الله من أهل القرون السابقة غيرهم من المجرمين.

وهذه كلها وجوه من التفسير لا يلائمها السياق.

قوله تعالى:"فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم"الحظ هو النصيب من السعادة والبخت.

وقوله:"يريدون الحياة الدنيا"أي يجعلونها الغاية المطلوبة في مساعيهم ليس لهم وراءها غاية فهم على جهل من الآخرة وما أعد الله لعباده فيها من الثواب قال تعالى:"فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم": النجم: 30 ولذلك عدوا ما أوتيه قارون من المال سعادة عظيمة له من دون قيد وشرط.

قوله تعالى:"و قال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا"إلخ ، الويل الهلاك ويستعمل للدعاء بالهلاك وزجرا عما لا يرتضي ، وهو في المقام زجرا عن التمني.

والقائلون بهذا القول هم المؤمنون أهل العلم بالله يخاطبون به أولئك الجهلة الذين تمنوا أن يؤتوا مثل ما أوتي قارون وعدوه سعادة عظيمة على الإطلاق ، ومرادهم أن ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا مما أوتي قارون فإن كانوا مؤمنين صالحين فليتمنوه.

وقوله:"و لا يلقاها إلا الصابرون"التلقية التفهيم والتلقي التفهم والأخذ ، والضمير - على ما قالوا - للكلمة المفهومة من السياق ، والمعنى: وما يفهم هذه الكلمة - وهي قولهم: ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا - إلا الصابرون.

وقيل: الضمير للسيرة أو الطريقة ومعنى تلقيها فهمها أو التوفيق للعمل بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت