فهرس الكتاب

الصفحة 3280 من 4314

قوله تعالى:"و ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة"إلى آخر الآية أي واطلب فيما أعطاك الله من مال الدنيا تعمير الدار الآخرة بإنفاقه في سبيل الله ووضعه فيما فيه مرضاته تعالى.

وقوله:"و لا تنس نصيبك من الدنيا"أي لا تترك ما قسم الله لك ورزقك من الدنيا ترك المنسي واعمل فيه لآخرتك لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا هو ما يعمل به لآخرته فهو الذي يبقى له.

وقيل: معناه لا تنس أن نصيبك من الدنيا - وقد أقبلت عليك - شيء قليل مما أوتيت وهو ما تأكله وتشربه وتلبسه مثلا والباقي فضل ستتركه لغيرك فخذ منها ما يكفيك وأحسن بالفضل وهذا وجه جيد.

وهناك وجوه أخر غير ملائمة للسياق.

وقوله:"و أحسن كما أحسن الله إليك"أي أنفقه لغيرك إحسانا كما آتاكه الله إحسانا من غير أن تستحقه وتستوجبه ، وهذه الجملة من قبيل عطف التفسير لقوله:"و لا تنس نصيبك من الدنيا"على أول الوجهين السابقين ومتممة له على الوجه الثاني.

وقوله:"و لا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين"أي لا تطلب الفساد في الأرض بالاستعانة بما آتاك الله من مال وما اكتسبت به من جاه وحشمة إن الله لا يحب المفسدين لبناء الخلقة على الصلاح والإصلاح.

قوله تعالى:"قال إنما أوتيته على علم عندي"إلى آخر الآية.

لا شك أن قوله"إنما أوتيته على علم عندي"جواب عن جميع ما قاله المؤمنون من قومه ونصحوه به وكان كلامهم مبنيا على أن ما له من الثروة إنما آتاه الله إحسانا إليه وفضلا منه من غير استيجاب واستحقاق فيجب عليه أن يبتغي فيه الدار الآخرة ويحسن به إلى الناس ولا يفسد في الأرض بالاستعلاء والاستكبار والبطر.

فأجاب بنفي كونه إنما أوتيه إحسانا من غير استحقاق ودعوى أنه إنما أوتيه على استحقاق بما عنده من العلم بطرق اقتناء المال وتدبيره وليس عند غيره ذلك ، وإذا كان ذلك باستحقاق فقد استقل بملكه وله أن يفعل فيما اقتناه من المال بما شاء ويستدره في أنواع التنعم وبسط السلطة والعلو والبلوغ إلى الآمال والأماني.

وهذه المزعمة التي ابتلي بها قارون فأهلكته - أعني زعمه أن الذي حصل له الكنوز وساق إليه القوة والجمع هو نبوغه العلمي في اكتساب العزة وقدرته النفسانية لا غير - مزعمة عامة بين أبناء الدنيا لا يرى الواحد منهم فيما ساقه إليه التقدير ووافقته الأسباب الظاهرة من عزة عاجلة وقوة مستعارة إلا أن نفسه هي الفاعلة له وعلمه هو السائق له إليه وخبرته هي الماسكة له لأجله.

وإلى عموم هذه المزعمة وركون الإنسان إليها بالطبع يشير قوله تعالى:"و إذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين أ ولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون": الزمر: 52 ، وقال:"أ فلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون": المؤمن: 83 ، وعرض الآيات على قصة قارون لا يبقي شكا في أن المراد بالعلم في كلام ما قدمناه.

وفي قوله:"إنما أوتيته"من غير إسناد الإيتاء إلى الله سبحانه كما في قول الناصحين له:"فيما آتاك الله"نوع إعراض عن ذكره تعالى وإزراء بساحة كبريائه.

وقوله:"أ ولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا"استفهام توبيخي وجواب عن قوله:"إنما أوتيته على علم عندي"بأيسر ما يمكن أن يتنبه به لفساد قوله فإنه كان يرى أن الذي اقتنى به المال وهو يبقيه له ويمتعه منه هو علمه الذي عنده وهو يعلم أنه كان فيمن قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ، وكان ما له من القوة والجمع عن علم عنده على زعمه ، وقد أهلكه الله بجرمه ، فلو كان العلم الذي يغتر ويتبجح به هو السبب الجامع للمال الحافظ له الممتع منه ولم يكن بإيتاء الله فضلا وإحسانا لنجاهم من الهلاك ومتعهم من أموالهم ودافعوا بقوتهم وانتصروا بجمعهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت