فهرس الكتاب

الصفحة 3693 من 4314

قوله تعالى:"فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ"عدول من خطابهم إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لإعلام أن ما حمله من الأمر إنما هو التبليغ لا أزيد من ذلك فقد أرسل مبلغا لدين الله إن عليه إلا البلاغ ولم يرسل حفيظا عليهم مسئولا عن إيمانهم وطاعتهم حتى يمنعهم عن الإعراض ويتعب نفسه لإقبالهم عليه.

قوله تعالى:"و إنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور"الفرح بالرحمة كناية عن الاشتغال بالنعمة ونسيان المنعم ، والمراد بالسيئة المصيبة التي تسوء الإنسان إذا أصابته ، وقوله:"فإن الإنسان كفور"من وضع الظاهر موضع الضمير ، والنكتة فيه تسجيل الذم واللوم عليه بذكره باسمه.

وفي الآية استشعار بإعراضهم وتوبيخهم بعنوان الإنسان المشتغل بالدنيا فإنه بطبعه حليف الغفلة إن ذكر بنعمة يؤتاها صرفه الفرح بها عن ذكر الله ، وإن ذكر بسيئة تصيبه بما قدمت يداه شغله الكفران عن ذكر ربه فهو في غفلة عن ذكر ربه في نعمة كانت أو في نقمة فكاد أن لا تنجح فيه دعوة ولا تنفع فيه موعظة.

قوله تعالى:"لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء"إلى آخر الآيتين ، للآيتين نوع اتصال بما تقدم من حديث الرزق لما أن الأولاد المذكورين فيهما من قبيل الرزق.

وقيل: إنهما متصلتان بالآية السابقة حيث ذكر فيها إذاقة الرحمة وإصابة السيئة وإن الإنسان يفرح بالرحمة ويكفر في السيئة فذكر تعالى في هاتين الآيتين أن ملك السماوات والأرض لله سبحانه يخلق ما يشاء فليس لمن يذوق رحمته أن يفرح بها ويشتغل به ولا لمن أصابته السيئة أن يكفر ويعترض بل له الخلق والأمر فعلى المرحوم أن يشكر وعلى المصاب أن يرجع إليه.

ويبعده أنه تعالى لم ينسب السيئة في الآية السابقة إلى نفسه بل إلى تقديم أيديهم فلا يناسبه نسبة القسمين جميعا في هذه الآية إلى مشيته ودعوتهم إلى التسليم لها.

وكيف كان فقوله:"لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء"فيه قصر الملك والسلطنة فيه تعالى على جميع العالم وأن الخلق منوط بمشيته من غير أن يكون هناك أمر يوجب عليه المشية أو يضطره على الخلق.

وقوله:"يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور"الإناث جمع أنثى والذكور والذكران جمعا ذكر ، وظاهر التقابل أن المراد هبة الإناث فقط لمن يشاء وهبة الذكور فقط لمن يشاء ولذلك كررت المشية ، قيل: وجه تعريف الذكور أنهم المطلوبون لهم المعهودون في أذهانهم وخاصة العرب.

وقوله:"أو يزوجهم ذكرانا وإناثا"أي يجمع بينهم حال كونهم ذكرانا وإناثا معا فالتزويج في اللغة الجمع ، وقوله:"و يجعل من يشاء عقيما"أي لا يلد ولا يولد له ، ولما كان هذا أيضا قسما برأسه قيده بالمشية كالقسمين الأولين ، وأما قسم الجمع بين الذكران والإناث فإنه بالحقيقة جمع بين القسمين الأولين فاكتفى بما ذكر من المشية فيهما.

وقوله:"إنه عليم قدير"تعليل لما تقدم أي أنه عليم لا يزيد ما يزيد لجهل قدير لا ينقص ما ينقص عن عجز.

في الدر المنثور ، أخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن علي قال: إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب الصفة:"و لو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض"وذلك أنهم قالوا: لو أن لنا فتمنوا الدنيا.

أقول: والآية على هذا مدنية لكن الرواية أشبه بالتطبيق منها بسبب النزول.

وفي تفسير القمي ،: قوله:"و لو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض": قال الصادق (عليه السلام) : لو فعل لفعلوا ولكن جعلهم محتاجين بعضهم إلى بعض واستعبدهم بذلك ولو جعلهم أغنياء لبغوا"و لكن ينزل بقدر ما يشاء"مما يعلم أنه يصلحهم في دينهم ودنياهم"إنه بعباده خبير بصير".

وفي المجمع ، روى أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرئيل عن الله جل ذكره: أن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو صححته لأفسده ، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ، وذلك أني أدبر عبادي لعلمي بقلوبهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت