2 سورة البقرة - 219 - 220
يَسئَلُونَك عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكبرُ مِن نّفْعِهِمَا وَيَسئَلُونَك مَا ذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِك يُبَينُ اللّهُ لَكُمُ الاَيَتِ لَعَلّكمْ تَتَفَكّرُونَ (219) فى الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَيَسئَلُونَك عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصلاحٌ لّهُمْ خَيرٌ وَإِن تخَالِطوهُمْ فَإِخْوَنُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصلِح وَلَوْ شاءَ اللّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)
قوله تعالى: يسئلونك عن الخمر والميسر ، الخمر على ما يستفاد من اللغة هو كل مائع معمول للسكر ، والأصل في معناه الستر ، وسمي به لأنه يستر العقل ولا يدعه يميز الحسن من القبح والخير من الشر ، ويقال: لما تغطي به المرأة رأسها الخمار ، ويقال: خمرت الإناء إذا غطيت رأسها ، ويقال: أخمرت العجين إذا أدخلت فيه الخمير ، وسميت الخميرة خميرة لأنها تعجن أولا ثم تغطى وتخمر من قبل ، وقد كانت العرب لا تعرف من أقسامه إلا الخمر المعمول من العنب والتمر والشعير ، ثم زاد الناس في أقسامه تدريجا فصارت اليوم أنواعا كثيرة ذات مراتب بحسب درجات السكر ، والجميع خمر.
والميسر لغة هو القمار ويسمى المقامر ياسرا والأصل في معناه السهولة سمي به لسهولة اقتناء مال الغير به من غير تعب الكسب والعمل ، وقد كان أكثر استعماله عند العرب في نوع خاص من القمار ، وهو الضرب بالقداح وهي السهام ، وتسمى أيضا: الأزلام والأقلام.
وأما كيفيته فهي أنهم كانوا يشترون جزورا وينحرونه ، ثم يجزءونه ثمانية وعشرين جزءا ، ثم يضعون عند ذلك عشر سهام وهي الفذ ، والتوأم ، والرقيب ، والحلس ، والنافس ، والمسبل ، والمعلى ، والمنيح ، والسنيح ، والرغد ، فللفذ جزء من الثمانية والعشرين جزءا ، وللتوأم جزءان ، وللرقيب ثلاثة أجزاء ، وللحلس أربعة ، وللنافس خمسة ، وللمسبل ستة ، وللمعلى سبعة ، وهو أكثر القداح نصيبا ، وأما الثلاثة الأخيرة وهي المنيح والسنيح والرغد فلا نصيب لها ، فمن خرج أحد القداح السبعة باسمه أخذ نصيبه من الأجزاء المفروضة ، وصاحبوا القداح الثلاثة الأخيرة يغرمون قيمة الجزور ، ويتم هذا العمل بين عشرة رجال بنحو القرعة في الأنصباء والسهام.
قوله تعالى: قل فيهما إثم كبير ، وقرىء إثم كثير بالثاء المثلثة ، والإثم يقارب الذنب وما يشبهه معنى وهو حال في الشيء أو في العقل يبطىء الإنسان عن نيل الخيرات فهو الذنب الذي يستتبع الشقاء والحرمان في أمور أخرى ويفسد سعادة الحياة في جهاتها الأخرى وهذان على هذه الصفة.
أما شرب الخمر فمضراته الطبية وآثاره السيئة في المعدة والأمعاء والكبد والرئة وسلسلة الأعصاب والشرايين والقلب والحواس كالباصرة والذائقة وغيرها مما ألف فيه تأليفات من حذاق الأطباء قديما وحديثا ، ولهم في ذلك إحصاءات عجيبة تكشف عن كثرة المبتلين بأنواع الأمراض المهلكة التي يستتبعها هذا السم المهلك.
وأما مضراته الخلقية: من تشويه الخلق وتأديته الإنسان إلى الفحش ، والإضرار والجنايات ، والقتل ، وإفشاء السر ، وهتك الحرمات ، وإبطال جميع القوانين والنواميس الإنسانية التي بنيت عليها أساس سعادة الحياة ، وخاصة ناموس العفة في الأعراض والنفوس والأموال ، فلا عاصم من سكران لا يدري ما يقول ولا يشعر بما يفعل ، وقل ما يتفق جناية من هذه الجنايات التي قد ملأت الدنيا ونغصت عيشة الإنسان إلا وللخمر فيها صنع مستقيما أو غير مستقيم.
وأما مضرته في الإدراك وسلبه العقل وتصرفه الغير المنتظم في أفكار الإنسان وتغييره مجرى الإدراك حين السكر وبعد الصحو فمما لا ينكره منكر وذلك أعظم ما فيه من الإثم والفساد ، ومنه ينشأ جميع المفاسد الآخر.
والشريعة الإسلامية كما مرت إليه الإشارة وضعت أساس أحكامها على التحفظ على العقل السليم ، ونهت عن الفعل المبطل لعمل العقل أشد النهي كالخمر ، والميسر ، والغش ، والكذب ، وغير ذلك ، ومن أشد الأفعال المبطلة لحكومة العقل على سلامة هو شرب الخمر من بين الأفعال وقول الكذب والزور من بين الأقوال.