46 سورة الأحقاف - 29 - 35
وَإِذْ صرَفْنَا إِلَيْك نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَستَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمّا حَضرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمّا قُضىَ وَلّوْا إِلى قَوْمِهِم مّنذِرِينَ (29) قَالُوا يَقَوْمَنَا إِنّا سمِعْنَا كتَبًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصدِّقًا لِّمَا بَينَ يَدَيْهِ يهْدِى إِلى الْحَقِّ وَإِلى طرِيقٍ مّستَقِيمٍ (30) يَقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِىَ اللّهِ وَءَامِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِّن ذُنُوبِكمْ وَيجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَن لا يجِب دَاعِىَ اللّهِ فَلَيْس بِمُعْجِزٍ في الأَرْضِ وَلَيْس لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئك في ضلَلٍ مّبِينٍ (32) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنّ اللّهَ الّذِى خَلَقَ السمَوَتِ وَالأَرْض وَلَمْ يَعْىَ بخَلْقِهِنّ بِقَدِرٍ عَلى أَن يُحْيِىَ الْمَوْتى بَلى إِنّهُ عَلى كلِّ شىْءٍ قَدِيرٌ (33) وَيَوْمَ يُعْرَض الّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أَ لَيْس هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (34) فَاصبرْ كَمَا صبرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرّسلِ وَلا تَستَعْجِل لهُّمْ كَأَنهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا ساعَةً مِّن نهَارِ بَلَغٌ فَهَلْ يُهْلَك إِلا الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ (35)
هذه هي القصة الثانية عقبت بها قصة عاد ليعتبر بها قومه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن اعتبروا ، وفيه تقريع للقوم حيث كفروا به (صلى الله عليه وآله وسلم) وبكتابه النازل على لغتهم وهم يعلمون أنها آية معجزة وهم مع ذلك يماثلونه في النوعية البشرية وقد آمن الجن بالقرآن إذ استمعوا إليه ورجعوا إلى قومهم منذرين.
قوله تعالى:"و إذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن"إلى آخر الآية الصرف رد الشيء من حالة إلى حالة أو من مكان إلى مكان ، والنفر - على ما ذكره الراغب - عدة من الرجال يمكنهم النفر وهو اسم جمع يطلق على ما فوق الثلاثة من الرجال والنساء والإنسان وعلى الجن كما في الآية و"يستمعون القرآن"صفة نفر ، والمعنى: واذكر إذ وجهنا إليك عدة من الجن يستمعون القرآن.
وقوله:"فلما حضروه قالوا أنصتوا"ضمير"حضروه"للقرآن بما يلمح إليه من المعنى الحدثي والإنصات السكوت للاستماع أي فلما حضروا قراءة القرآن وتلاوته قالوا أي بعضهم لبعض: اسكتوا حتى نستمع حق الاستماع.
وقوله:"فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين"ضمير"قضى"للقرآن باعتبار قراءته وتلاوته ، والتولية الانصراف و"منذرين"حال من ضمير الجمع في"ولوا"أي فلما أتمت القراءة وفرغ منها انصرفوا إلى قومهم حال كونهم منذرين مخوفين لهم من عذاب الله.
قوله تعالى:"قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه"إلخ ، حكاية دعوتهم قومهم وإنذارهم لهم ، والمراد بالكتاب النازل بعد موسى القرآن ، وفي الكلام إشعار بل دلالة على كونهم مؤمنين بموسى (عليه السلام) وكتابه ، والمراد بتصديق القرآن لما بين يديه تصديقه التوراة أو جميع الكتب السماوية السابقة.
وقوله:"يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم"أي يهدي من اتبعه إلى صراط الحق وإلى طريق مستقيم لا يضل سالكوه عن الحق في الاعتقاد والعمل.
قوله تعالى:"يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم"المراد بداعي الله هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال تعالى:"قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة": يوسف: 108 ، وقيل: المراد به ما سمعوه من القرآن وهو بعيد.
والظاهر أن"من"في"يغفر لكم من ذنوبكم"للتبعيض ، والمراد مغفرة بعض الذنوب وهي التي اكتسبوها قبل الإيمان ، قال تعالى:"إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف": الأنفال: 38.
وقيل: المراد بهذا البعض حقوق الله سبحانه فإنها مغفورة بالتوبة والإيمان توبة وأما حقوق الناس فإنها غير مغفورة بالتوبة ، ورد بأن الإسلام يجب ما قبله.