قوله تعالى:"و من لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء"إلخ ، أي ومن لم يؤمن بداعي الله فليس بمعجز لله في الأرض برد دعوته وليس له من دون الله أولياء ينصرونه ويمدونه في ذلك ، والمحصل: أن من لم يجب داعي الله في دعوته فإنما ظلم نفسه وليس له أن يعجز الله بذلك لا مستقلا ولا بنصرة من ينصره من الأولياء فليس له أولياء من دون الله ، ولذلك أتم الكلام بقوله:"أولئك في ضلال مبين".
قوله تعالى:"أ ولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر"إلخ ، الآية وما بعدها إلى آخر السورة متصلة بما تقدم من قوله تعالى:"و يوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم"إلخ ، وفيها تتميم القول فيما به الإنذار في هذه السورة وهو المعاد والرجوع إلى الله تعالى كما أشرنا إليه في البيان المتقدم.
والمراد بالرؤية العلم عن بصيرة ، والعي العجز والتعب ، والأول أفصح على ما قيل ، والباء في"بقادر"زائدة لوقوعها موقعا فيه شائبة حيز النفي كأنه قيل: أ ليس الله بقادر.
والمعنى: أ ولم يعلموا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعجز عن خلقهن أو لم يتعب بخلقهن قادر على إحياء الموتى - وهو تعالى مبدىء وجود كل شيء وحياته - بلى هو قادر لأنه على كل شيء قدير ، وقد أوضحنا هذه الحجة فيما تقدم غير مرة.
قوله تعالى:"و يوم يعرض الذين كفروا على النار أ ليس هذا بالحق"إلى آخر الآية ، تأييد للحجة المذكورة في الآية السابقة بالإخبار عما سيجري على منكري المعاد يوم القيامة ، ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى:"فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم"إلى آخر الآية ، تفريع على حقية المعاد على ما دلت عليه الحجة العقلية وأخبر به الله سبحانه ونفي الريب عنه.
والمعنى: فاصبر على جحود هؤلاء الكفار وعدم إيمانهم بذاك اليوم كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم بالعذاب فإنهم سيلاقون اليوم بما فيه من العذاب وليس اليوم عنهم ببعيد وإن استبعدوه.
وقوله:"كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار"تبيين لقرب اليوم منهم ومن حياتهم الدنيا بالإخبار عن حالهم حينما يشاهدون ذلك اليوم فإنهم إذا رأوا ما يوعدون من اليوم وما هيىء لهم فيه من العذاب كان حالهم حال من لم يلبث في الأرض إلا ساعة من نهار.
وقوله:"بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون"أي هذا القرآن بما فيه من البيان تبليغ من الله من طريق النبوة فهل يهلك بهذا الذي بلغه الله من الإهلاك إلا القوم الفاسقون الخارجون عن زي العبودية.
وقد أمر الله سبحانه في هذه الآية نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل وفيه تلويح إلى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم فليصبر كصبرهم ، ومعنى العزم هاهنا أما الصبر كما قال بعضهم لقوله تعالى:"و لمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور": الشورى: 43 ، وإما العزم على الوفاء بالميثاق المأخوذ من الأنبياء كما يلوح إليه قوله:"و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما": طه: 115 ، وإما العزم بمعنى العزيمة وهي الحكم والشريعة.
وعلى المعنى الثالث وهو الحق الذي تذكره روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم ولقوله تعالى:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى": الشورى: 13 ، وقد مر تقريب معنى الآية.
وعن بعض المفسرين أن جميع الرسل أولوا العزم ، وقد أخذ"من الرسل"بيانا لأولي العزم في قوله:"أولوا العزم من الرسل"وعن بعضهم أنهم الرسل الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام الآية 83 - 90 لأنه تعالى قال بعد ذكرهم:"فبهداهم اقتده".
وفيه أنه تعالى قال بعد عدهم:"و من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم"ثم قال:"فبهداهم اقتده"ولم يقل ذلك بعد عدهم بلا فصل.