و من الروح الروح المؤيد بها المؤمن قال:"أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه": المجادلة: 22 وهي أشرف وجودا وأعلى مرتبة وأقوى أثرا من الروح الإنسانية العامة كما يفيده قوله تعالى وهو في معنى هذه الآية:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام: 122 فقد عد المؤمن حيا ذا نور يمشي به وهو أثر الروح والكافر ميتا وهو ذو روح منفوخة فللمؤمن روح ليست للكافر ذات أثر ليس فيه.
ومن ذلك يظهر أن من مراتب الروح ما هو في النبات لما فيه من أثر الحياة يدل على ذلك الآيات المتضمنة لإحياء الأرض بعد موتها.
ومن الروح الروح المؤيد بها الأنبياء قال:"و أيدناه بروح القدس": البقرة 87 وسياق الآيات يدل على كون هذه الروح أشرف وأعلى مرتبة من غيرها مما في الإنسان.
وأما قوله:"يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق": المؤمن: 15 ، وقوله:"و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا": الشورى 52 فيقبل الانطباق على روح الإيمان وعلى روح القدس والله أعلم.
وقد تقدم بعض ما ينفع من الكلام في المقام في ذيل هذه الآيات الكريمة.
قوله تعالى:"ذلك اليوم الحق"إشارة إلى يوم الفصل المذكور في السورة الموصوف بما مر من الأوصاف وهو في الحقيقة خاتمة الكلام المنعطفة إلى فاتحة السورة وما بعده أعني قوله:"فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا"إلخ فضل تفريع على البيان السابق.
والإشارة إليه بالإشارة البعيدة للدلالة على فخامة أمره والمراد بكونه حقا ثبوته حتما مقضيا لا يتخلف عن الوقوع.
قوله تعالى:"فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا"أي مرجعا إلى ربه ينال به ثواب المتقين وينجو به من عذاب الطاغين ، والجملة كما أشرنا إليه تفريع على ما تقدم من الإخبار بيوم الفصل والاحتجاج عليه ووصفه ، والمعنى إذا كان كذلك فمن شاء الرجوع إلى ربه فليرجع.
قوله تعالى:"إنا أنذرناكم عذابا قريبا"إلخ المراد به عذاب الآخرة ، وكونه قريبا لكونه حقا لا ريب في إتيانه وكل ما هو آت قريب.
على أن الأعمال التي سيجزي بها الإنسان هي معه أقرب ما يكون منه.
وقوله:"يوم ينظر المرء ما قدمت يداه"أي ينتظر المرء جزاء أعماله التي قدمتها يداه بالاكتساب ، وقيل: المعنى ينظر المرء إلى ما قدمت يداه من الأعمال لحضورها عنده قال تعالى:"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء": آل عمران: 30.
وقوله:"و يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا"أي يتمنى من شدة اليوم أن لو كان ترابا فاقدا للشعور والإرادة فلم يعمل ولم يجز.
في تفسير القمي ،: وقوله:"و فتحت السماء فكانت أبوابا"قال: تفتح أبواب الجنان ، وقوله:"و سيرت الجبال فكانت سرابا"قال: تصير الجبال مثل السراب الذي يلمع في المفازة.
وفيه ،: وقوله:"لابثين فيها أحقابا"قال: الأحقاب السنين والحقب سنة والسنة عددها ثلاثمائة وستون يوما واليوم كألف سنة مما تعدون.
وفي المجمع ، روى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يخرج من النار من دخلها حتى يمكث فيها أحقابا والحقب بضع وستون سنة والسنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون فلا يتكلن أحد على أن يخرج من النار.
أقول: وأورد الرواية في الدر المنثور ، وفيها ثمانون مكان ستون ولفظ آخرها ، قال ابن عمر: فلا يتكلن أحد إلخ ، وأورد أيضا رواية أخرى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أن الحقب أربعون سنة.
وفيه ، وروى العياشي بإسناده عن حمران قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الآية فقال: هذه في الذين يخرجون من النار: ، وروي عن الأحول مثله.
وفي تفسير القمي ،: وقوله:"إن للمتقين مفازا"قال: يفوزون ، قوله"و كواعب أترابا"قال: جوار وأتراب لأهل الجنة ، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في قوله:"إن للمتقين مفازا"قال: هي الكرامات"و كواعب أترابا"أي الفتيات النواهد.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الروح جند من جنود الله ليسوا بملائكة لهم رءوس وأيد وأرجل ثم قرأ:"يوم يقوم الروح والملائكة صفا"قال: هؤلاء جند وهؤلاء جند.