قوله تعالى:"أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون"أم منقطعة والاستفهام للإنكار ، وكل من"تمنعهم"و"من دوننا"صفة آلهة ، والمعنى بل أسألهم أ لهم آلهة من دوننا تمنعهم منا.
وقوله:"لا يستطيعون نصر أنفسهم"إلخ تعليل للنفي المستفاد من الاستفهام الإنكاري ولذا جيء بالفصل والتقدير ليس لهم آلهة كذلك لأنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم بأن ينصر بعضهم بعضا ولا هم منا يجأرون ويحفظون فكيف ينصرون عبادهم من المشركين أو يجيرونهم ، وذكر بعضهم أن ضمائر الجمع راجعة إلى المشركين والسياق يأباه.
قوله تعالى:"بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر"إلى آخر الآية هو إضراب عن مضمون الآية السابقة كما كان قوله:"بل هم عن ذكر ربهم معرضون"إضرابا عما تقدمه والمضامين - كما ترى - متقاربة.
وقوله:"حتى طال عليهم العمر"غاية لدوام التمتع المدلول عليه بالجملة السابقة والتقدير بل متعنا هؤلاء المشركين وآباءهم ودام لهم التمتع حتى طال عليهم العمر فاغتروا بذلك ونسوا ذكر الله وأعرضوا عن عبادته ، وكذلك كان مجتمع قريش فإنهم كانوا بعد أبيهم إسماعيل قاطنين في حرم آمن متمتعين بأنواع النعم التي تحمل إليهم حتى تسلطوا على مكة وأخرجوا جرهما منها فنسوا ما هم عليه من دين أبيهم إبراهيم وعبدوا الأصنام.
وقوله:"أ فلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها"الأنسب للسياق أن يكون المراد من نقص الأرض من أطرافها هو انقراض بعض الأمم التي تسكنها فإن لكل أمة أجلا ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون - وقد تقدمت الإشارة إلى أن المراد بطول العمر عليهم طول عمر مجتمعهم.
والمعنى: أ فلا يرون أن الأرض تنقص منها أمة بعد أمة بالانقراض بأمر الله فما ذا يمنعه أن يهلكهم أ فهم الغالبون إن أرادهم الله سبحانه بضر أو هلاك وانقراض.
وقد مر بعض الكلام في الآية في نظيرتها من سورة الرعد فراجع.
واعلم أن في هذه الآيات وجوها من الالتفات لم نتعرض لها لظهورها.
قوله تعالى:"قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون"أي إن الذي أنذركم به وحي إلهي لا ريب فيه وإنما لا يؤثر فيكم أثره وهو الهداية لأن فيكم صمما لا تسمعون الإنذار فالنقص في ناحيتكم لا فيه.
قوله تعالى:"و لئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين"النفحة الوقعة من العذاب ، والمراد أن الإنذار بآيات الذكر لا ينفعهم بل هؤلاء يحتاجون إلى نفحة من العذاب حتى يضطروا فيؤمنوا ويعترفوا بظلمهم.
قوله تعالى:"و نضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا"القسط العدل وهو عطف بيان للموازين أو صفة للموازين بتقدير مضاف والتقدير الموازين ذوات القسط ، وقد تقدم الكلام في معنى الميزان المنصوب يوم القيامة في تفسير سورة الأعراف.
وقوله:"و إن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها"الضمير في"و إن كان"للعمل الموزون المدلول عليه بذكر الموازين أي وإن كان العمل الموزون مقدار حبة من خردل في ثقله أتينا بها وكفى بنا حاسبين وحبة الخردل يضرب بها المثل في دقتها وصغرها وحقارتها ، وفيه إشارة إلى أن الوزن من الحساب.
في الدر المنثور ، أخرج ابن المنذر عن ابن جريح قال: لما نعى جبريل للنبي نفسه قال: يا رب فمن لأمتي؟ فنزلت:"و ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد"الآية.
أقول: سياق الآيات وهو سياق العتاب لا يلائم ما ذكر.
على أن هذا السؤال لا يلائم موقع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، على أن النعي كان في آخر حياة النبي والسورة من أقدم السور المكية.
وفيه ، أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: مر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدثان فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف فغضب أبو سفيان فقال: ما تنكرون ليكون لبني عبد مناف نبي؟ فسمعها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرجع إلى أبي جهل فوقع به وخوفه وقال: ما أراك منتهيا حتى يصيبك ما أصاب عمك ، وقال لأبي سفيان: أما إنك لم تقل ما قلت إلا حمية فنزلت هذه الآية"و إذا رآك الذين كفروا أن يتخذونك إلا هزوا"الآية.
أقول: هو كسابقه في عدم انطباق القصة على الآية ذاك الانطباق.