فهرس الكتاب

الصفحة 2965 من 4314

فقوله:"خلق الإنسان من عجل"كناية عن بلوغ الإنسان في العجل كأنه خلق من عجل ولا يعرف سواه نظير ما يقال: فلان خير كله أو شر كله وخلق من خير أو من شر وهو أبلغ من قولنا ، ما أعجله وما أشد استعجاله ، والكلام وارد مورد التعجيب.

وفيه استهانة بأمرهم وأنه لا يعجل بعذابهم لأنهم لا يفوتونه.

وقوله:"سأريكم آياتي فلا تستعجلون"الآية الآتية تشهد بأن المراد بإراءة الآيات تعذيبهم بنار جهنم وهي قوله لو يعلم الذين كفروا حين"إلخ."

قوله تعالى:"و يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين"القائلون هم الذين كفروا والمخاطبون هم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنون وكان مقتضى الظاهر أن يقولوا؟ إن كنت من الصادقين لكنهم عدلوا إلى ما ترى ليضيفوا إلى تعجيز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمطالبته ما لا يقدر عليه إضلال المؤمنين به وإغراؤهم عليه والوعد هو ما اشتملت عليه الآية السابقة وتفسره الآية اللاحقة.

قوله تعالى:"لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون""لو"للتمني و"حين"مفعول يعلم على ما قيل وقوله"لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم"أي لا يدفعونها حيث تأخذهم من قدامهم ومن خلفهم وفيه إشارة إلى إحاطتها بهم.

وقوله:"و لا هم ينصرون"معطوف على ما تقدمه لرجوع معناه إلى الترديد بالمقابلة والمعنى لا يدفعون النار باستقلال من أنفسهم ولا بنصر من ينصرهم على دفعه.

والآية في موضع الجواب لسؤالهم عن الموعد ، والمعنى ليت الذين كفروا يعلمون الوقت الذي لا يدفعون النار عن وجوههم ولا عن ظهورهم لا باستقلال من أنفسهم ولا هم ينصرون في دفعها.

قوله تعالى:"بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون"الذي يقتضيه السياق أن فاعل تأتيهم ضمير راجع إلى النار دون الساعة كما ذهب إليه بعضهم ، والجملة إضراب عن قوله في الآية السابقة:"لا يكفون"إلخ.

لا عن مقدر قبله تقديره لا تأتيهم الآيات بحسب اقتراحهم بل تأتيهم بغتة ، ولا عن قوله:"لو يعلم الذين كفروا"بدعوى أنه في معنى النفي والتقدير لا يعلمون ذلك بل تأتيهم بغتة فإن هذه كلها وجوه يأبى عنها السياق.

ومعنى إتيان النار بغتة أنها تفاجئهم حيث لا يدرون من أين تأتيهم وتحيط بهم فإن ذلك لازم ما وصفه الله من أمرها بقوله:"نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة:"الهمزة: 7 ، وقوله:"النار التي وقودها الناس:"البقرة: 24 ، وقوله:"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم"الآية: 98 من السورة ، والنار التي هذا شأنها تأخذ باطن الإنسان كظاهره على حد سواء لا كنار الدنيا حتى تتوجه من جهة إلى جهة وتأخذ الظاهر قبل الباطن والخارج قبل الداخل حتى تمهلهم بقطع مسافة أو بتدرج في عمل أو مفارقة في جهة فيحتال لدفعها بتجاف أو تجنب أو إبداء حائل أو الالتجاء إلى ركن بل هي معهم كما أن أنفسهم معهم لا تستطاع ردا إذ لا اختلاف جهة ولا تقبل مهلة إذ لا مسافة بينها وبينهم فلا تسمح لهم في نزولها عليهم إلا البهت والحيرة.

فمعنى الآية - والله أعلم - لا يدفعون النار عن وجوههم وظهورهم بل تأتيهم من حيث لا يشعرون بها ولا يدرون فتكون مباغتة لهم فلا يستطيعون ردها ولا يمهلون في إتيانها.

قوله تعالى:"و لقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون"قال في المجمع ،: الفرق بين السخرية والهزء أن في السخرية معنى طلب الذلة لأن التسخير التذليل فأما الهزء فيقتضي طلب صغر القدر بما يظهر في القول.

انتهى والحيق الحلول ، والمراد بما كانوا به يستهزءون ، العذاب وفي الآية تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتخويف وتهديد للذين كفروا.

قوله تعالى:"قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون"الكلاءة الحفظ والمعنى أسألهم من الذي يحفظهم من الرحمن إن أراد أن يعذبهم ثم أضرب عن تأثير الموعظة والإنذار فيهم فقال:"بل هم عن ذكر ربهم"أي القرآن"معرضون"فلا يعتنون به ولا يريدون أن يصغوا إليه إذا تلوته عليهم وقيل المراد بالذكر مطلق المواعظ والحجج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت