و قد ظهر مما تقدم صحة إرجاع ضمير المفعول إليه تعالى والمراد بالرؤية رؤية القلب والمراد بنزلة أخرى نزلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند سدرة المنتهى في عروجه إلى السماوات فالمفاد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) نزل نزلة أخرى أثناء معراجه عند سدرة المنتهى فرآه بقلبه كما رآه في النزلة الأولى.
قوله تعالى:"عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى"السدر شجر معروف والتاء للوحدة والمنتهى - كأنه - اسم مكان ولعل المراد به منتهى السماوات بدليل كون الجنة عندها والجنة في السماء ، قال تعالى:"و في السماء رزقكم وما توعدون": الذاريات: 22.
ولا يوجد في كلامه تعالى ما يفسر هذه الشجرة ، وكان البناء على الإبهام كما يؤيده قوله بعد:"إذ يغشى السدرة ما يغشى"وقد فسر في الروايات أيضا بأنها شجرة فوق السماء السابعة إليها تنتهي أعمال بني آدم وستمر ببعض هذه الروايات.
وقوله:"عندها جنة المأوى"أي الجنة التي يأوي إليها المؤمنون وهي جنة الآخرة فإن جنة البرزخ جنة معجلة محدودة بالبعث ، قال تعالى:"فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون": السجدة: 19 ، وقوله:"فإذا جاءت الطامة الكبرى - إلى أن قال - فإن الجنة هي المأوى": النازعات: 41 وهي في السماء على ما يدل عليه قوله تعالى:"و في السماء رزقكم وما توعدون": الذاريات: 22 وقيل: المراد بها جنة البرزخ.
وقوله:"إذ يغشى السدرة ما يغشى"غشيان الشيء الإحاطة به ، و"ما"موصولة والمعنى: إذ يحيط بالسدرة ما يحيط بها ، وقد أبهم تعالى هذا الذي يغشى السدرة ولم يبين ما هو كما تقدمت الإشارة إليه.
قوله تعالى:"ما زاغ البصر وما طغى"الزيغ الميل عن الاستقامة ، والطغيان تجاوز الحد في العمل ، وزيغ البصر إدراكه المبصر على غير ما هو عليه ، وطغيانه إدراكه ما لا حقيقة له ، والمراد بالبصر بصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
والمعنى: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقية ولا أبصر ما لا حقيقة له بل أبصر غير خاطىء في إبصاره.
والمراد بالإبصار رؤيته (صلى الله عليه وآله وسلم) بقلبه لا بجارحة العين فإن المراد بهذا الإبصار ما يعنيه بقوله:"و لقد رآه نزلة أخرى"المشير إلى مماثلة هذه الرؤية لرؤية النزلة الأولى التي يشير إليها بقوله:"ما كذب الفؤاد ما رأى أ فتمارونه على ما يرى"فافهم ولا تغفل.
قوله تعالى:"لقد رأى من آيات ربه الكبرى""من"للتبعيض ، والمعنى: أقسم لقد شاهد بعض الآيات الكبرى لربه ، وبذلك تم مشاهدة ربه بقلبه فإن مشاهدته تعالى بالقلب إنما هي بمشاهدة آياته بما هي آياته فإن الآية بما هي آية لا تحكي إلا ذا الآية ولا تحكي عن نفسه شيئا وإلا لم تكن من تلك الجهة آية.
وأما مشاهدة ذاته المتعالية من غير توسط آية وتخلل حجاب فمن المستحيل ذلك قال تعالى:"و لا يحيطون به علما": طه: 110.
في تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"و النجم إذا هوى"قال: النجم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "إذا هوى"لما أسري به إلى السماء وهو في الهوي.
أقول: وروي تسميته (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنجم بإسناده عن أبيه عن الحسين بن خالد عن الرضا (عليه السلام) ، وهو من البطن.
وفي الكافي ، عن القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : قول الله عز وجل:"و الليل إذا يغشى""و النجم إذا هوى"وما أشبه ذلك؟ قال: إن لله عز وجل أن يقسم من خلقه بما شاء ، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به: . أقول: وفي الفقيه ، عن علي بن مهزيار عن أبي جعفر الثاني: مثله.
وفي المجمع ، وروت العامة عن جعفر الصادق أنه قال: إن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) نزل من السماء السابعة ليلة المعراج ولما نزلت السورة أخبر بذلك عتبة بن أبي لهب فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطلق ابنته وتفل في وجهه وقال: كفرت بالنجم ورب النجم ، فدعا (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه وقال: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك. فخرج عتبة إلى الشام فنزل في بعض الطريق وألقى الله عليه الرعب فقال لأصحابه أنيموني بينكم ليلا ففعلوا فجاء أسد فافترسه من بين الناس.