و على هذا فالمراد بالفؤاد فؤاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وضمير الفاعل في"ما رأى"راجع إلى الفؤاد والرؤية رؤيته.
ولا بدع في نسبة الرؤية وهي مشاهدة العيان إلى الفؤاد فإن للإنسان نوعا من الإدراك الشهودي وراء الإدراك بإحدى الحواس الظاهرة والتخيل والتفكر بالقوى الباطنة كما إننا نشاهد من أنفسنا أننا نرى وليست هذه المشاهدة العيانية إبصارا بالبصر ولا معلوما بفكر ، وكذا نرى من أنفسنا أننا نسمع ونشم ونذوق ونلمس ونشاهد أننا نتخيل ونتفكر وليست هذه الرؤية ببصر أو بشيء من الحواس الظاهرة أو الباطنة فإنا كما نشاهد مدركات كل واحدة من هذه القوى بنفس تلك القوة كذلك نشاهد إدراك كل منا لمدركها وليس هذه المشاهدة بنفس تلك القوة بل بأنفسنا المعبر عنها بالفؤاد.
وليس في الآية ما يدل على أن متعلق الرؤية هو الله سبحانه وأنه لمرئي له (صلى الله عليه وآله وسلم) بل المرئي هو الأفق الأعلى والدنو والتدلي وأنه أوحى إليه فهذه هي المذكورة في الآيات السابقة وهي آيات له تعالى ، ويؤيد ذلك ما ذكره تعالى في النزلة الأخرى من قوله:"ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى".
على أنها لو دلت على تعلق الرؤية به تعالى لم يكن به بأس فإنها رؤية القلب ورؤية القلب غير رؤية البصر الحسية التي تتعلق بالأجسام ويستحيل تعلقها به تعالى وقد قدمنا كلاما في رؤية القلب في تفسير سورة الأعراف الآية 143.
وما قيل: إن ضمير"ما رأى"للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعنى: ما قال فؤاده (صلى الله عليه وآله وسلم) لما رآه ببصره لم أعرفك ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره ، ومحصله أن فؤاده صدق بصره فيما رآه.
وكذا ما قيل: إن المعنى أن فؤاده لم يكذب بصره فيما رآه بل صدقه واعتقد به ، ويؤيده قراءة من قرأ"ما كذب"بتشديد الذال.
ففيه أن الذي يعطيه سياق الآيات تأييده تعالى صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يدعيه من الوحي ورؤية آيات الله الكبرى ، ولو كان ضمير"ما رأى"للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان محصل معنى الآية الاحتجاج على صدق رؤيته باعتقاده ذلك بفؤاده وهو بعيد من دأب القرآن وهذا بخلاف ما لو رجع ضمير"ما رأى"إلى الفؤاد فإن محصل معناه تصديقه تعالى لفؤاده فيما رآه ويجري الكلام على السياق السابق الأخذ من قوله:"ما ضل صاحبكم وما غوى إن هو إلا وحي يوحى"إلخ.
فإن قلت: إنه تعالى يحتج في الآية التالية"أ فتمارونه على ما يرى"برؤيته (صلى الله عليه وآله وسلم) على صدقه فيما يدعيه فليكن مثله الاحتجاج باعتقاد فؤاده بما يراه بعينه.
قلت: ليس قوله:"أ فتمارونه على ما يرى"مسوقا للاحتجاج برؤيته على صدقه بل توبيخ على مماراتهم إياه (صلى الله عليه وآله وسلم) على أمر يراه ويبصره ومجادلتهم إياه فيه ، والمماراة والمجادلة إنما تصح - لو صحت - في الآراء النظرية والاعتقادات الفكرية وأما فيما يرى ويشاهد عيانا فلا معنى للمماراة والمجادلة فيه ، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما كان يخبرهم بما يشاهده عيانا لا عن فكر وتعقل.
قوله تعالى:"أ فتمارونه على ما يرى"الاستفهام للتوبيخ والخطاب للمشركين والضمير للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمماراة الإصرار على المجادلة ، والمعنى: أ فتصرون في جدالكم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذعن بخلاف ما يدعيه ويخبركم به وهو يشاهد ذلك عيانا.
قوله تعالى:"و لقد رآه نزلة أخرى"النزلة بناء مرة من النزول فمعناه نزول واحد ، وتدل الآية على أن هذه قصة رؤية في نزول آخر والآيات السابقة تقص نزولا آخر غيره.
وقد قالوا: إن ضمير الفاعل المستكن في قوله"رآه"للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وضمير المفعول لجبريل ، وعلى هذا فالنزلة نزول جبريل عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليعرج به إلى السماوات ، وقوله:"عند سدرة المنتهى"ظرف للرؤية لا للنزلة ، والمراد برؤيته رؤيته وهو في صورته الأصلية.
والمعنى: أنه نزل عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) نزلة أخرى وعرج به إلى السماوات وتراءى له (صلى الله عليه وآله وسلم) عند سدرة المنتهى وهو في صورته الأصلية.