قوله تعالى:"علمه شديد القوى"ضمير"علمه"للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو للقرآن بما هو وحي أو لمطلق الوحي والمفعول الآخر لعلمه محذوف على أي حال والتقدير علم النبي الوحي أو علم القرآن أو الوحي إياه.
والمراد بشديد القوى - على ما قالوا - جبريل وقد وصفه الله بالقوة في قوله:"ذي قوة عند ذي العرش مكين": التكوير: 20 ، وقيل: المراد به هو الله سبحانه.
قوله تعالى:"ذو مرة فاستوى"المرة بكسر الميم الشدة ، وحصافة العقل والرأي وبناء نوع عن المرور وقد فسرت المرة في الآية بكل من المعاني الثلاثة مع القول بأن المراد بذي مرة جبريل ، والمعنى: هو أي جبريل ذو شدة في جنب الله أو هو ذو حصافة في عقله ورأيه ، أو هو ذو نوع من المرور بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في الهواء.
وقيل: المراد بذو مرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو ذو شدة في جنب الله أو ذو حصافة في عقله ورأيه أو ذو نوع من المرور عرج فيه إلى السماوات.
وقوله:"فاستوى"بمعنى استقام أو استولى وضمير الفاعل راجع إلى جبريل والمعنى: فاستقام جبريل على صورته الأصلية التي خلق عليها على ما روي أن جبريل كان ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صور مختلفة ، وإنما ظهر له في صورته الأصلية مرتين أو المعنى: فاستولى جبريل بقوته على ما جعل له من الأمر.
وإن كان الضمير للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فالمعنى فاستقام واستقر.
قوله تعالى:"و هو بالأفق الأعلى"الأفق الناحية قيل: المراد بالأفق الأعلى ناحية الشرق من السماء لأن أفق المشرق فوق المغرب في صعيد الأرض لا في الهواء وهو كما ترى والظاهر أن المراد به أفق أعلى من السماء من غير اعتبار كونه أفقا شرقيا.
وضمير هو في الآية راجع إلى جبريل أو إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والجملة حال من ضمير"استوى".
قوله تعالى:"ثم دنا فتدلى"الدنو القرب ، والتدلي التعلق بالشيء ويكنى به عن شدة القرب ، وقيل: الامتداد إلى جهة السفل مأخوذ من الدلو.
والمعنى: على تقدير رجوع الضميرين لجبريل: ثم قرب جبريل فتعلق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليعرج به إلى السماوات ، وقيل: ثم تدلى جبريل من الأفق الأعلى فدنا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليعرج به.
والمعنى: على تقدير رجوع الضميرين إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ثم قرب النبي من الله سبحانه وزاد في القرب.
قوله تعالى:"فكان قاب قوسين أو أدنى"قال في المجمع: القاب والقيب والقاد والقيد عبارة عن مقدار الشيء انتهى.
والقوس معروفة وهي آلة الرمي ، ويقال قوس على الذراع في لغة أهل الحجاز على ما قيل.
والمعنى: فكان البعد قدر قوسين أو قدر ذراعين أو أقرب من ذلك.
وقيل: القاب ما بين مقبض القوس وسيتها ففي الكلام قلب والمعنى: فكان قابي قوس ، واعترض عليه بأن قابي قوس وقاب قوسين واحد فلا موجب للقلب.
قوله تعالى:"فأوحى إلى عبده ما أوحى"ضمير أوحى في الموضعين لجبريل على تقدير رجوع الضمائر السابقة إلى جبريل ، والمعنى: فأوحى جبريل إلى عبد الله وهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أوحى ، قيل: ولا ضير في رجوع الضمير إليه تعالى من عدم سبق الذكر لكونه في غاية الوضوح.
أو الضمائر الثلاث لله والمعنى: فأوحى الله بتوسط جبريل إلى عبده ما أوحى أو الضمير الأول لجبريل والثاني والثالث لله والمعنى فأوحى جبريل ما أوحى الله إليه إلى عبد الله.
والضمائر الثلاث كلها لله على تقدير رجوع الضمائر السابقة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعنى: فأوحى الله إلى عبده ما أوحى ، وهذا المعنى أقرب إلى الذهن من المعنى السابق الذي لا يرتضيه الذوق السليم وإن كان صحيحا.
قوله تعالى:"ما كذب الفؤاد ما رأى"الكذب خلاف الصدق يقال: كذب فلان في حديثه ، ويقال: كذبه الحديث بالتعدي إلى مفعولين أي حدثه كذبا ، والكذب كما يطلق على القول والحديث الذي يلفظه اللسان كذلك يطلق على خطاء القوة المدركة يقال: كذبته عينه أي أخطأت في رؤيتها.
ونفي الكذب عن الفؤاد إنما هو بهذا المعنى سواء أخذ الكذب لازما والتقدير ما كذب الفؤاد فيما رأى أو متعديا إلى مفعولين ، والتقدير ما كذب الفؤاد - فؤاد النبي - النبي ما رآه أي إن رؤية فؤاده فيما رآه رؤية صادقة.