فهرس الكتاب

الصفحة 605 من 4314

قوله تعالى: قل أطيعوا الله والرسول ، الخ لما كانت الآية السابقة تدعو إلى اتباع الرسول ، والاتباع وهو اقتفاء الأثر لا يتم إلا مع كون المتبع اسم مفعول سالك سبيل ، والسبيل الذي يسلكه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما هو الصراط المستقيم الذي هو لله سبحانه ، وهو الشريعة التي شرعها لنبيه وافترض طاعته فيه كرر ثانيا في هذه الآية معنى اتباع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قالب الإطاعة إشعارا بأن سبيل الإخلاص الذي هو سبيل النبي هو بعينه مجموع أوامر ونواه ودعوة وإرشاد فيكون اتباع الرسول في سلوك سبيله هو إطاعة الله ورسوله في الشريعة المشرعة.

ولعل ذكره تعالى مع الرسول للإشعار بأن الأمر واحد ، وذكر الرسول معه سبحانه لأن الكلام في اتباعه.

ومن هنا يظهر عدم استقامة ما ذكره بعضهم في الآية: أن المعنى: أطيعوا الله في كتابه والرسول في سنته.

وذلك أنه مناف لما يلوح من المقام من أن قوله: قل أطيعوا الله والرسول"الخ"كالمبين لقوله:"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني"، على أن الآية مشعرة بكون إطاعة الله وإطاعة الرسول واحدة ، ولذا لم يكرر الأمر ، ولو كان مورد الإطاعة مختلفا في الله ورسوله لكان الأنسب أن يقال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول كما في قوله تعالى:"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم": النساء - 59 ، كما لا يخفى.

واعلم أن الكلام في هذه الآية من حيث إطلاقها ومن حيث انطباقها على المورد نظير الكلام في الآية السابقة.

قوله تعالى: فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ، فيه دلالة على كفر المتولي عن هذا الأمر كما يدل على ذلك سائر آيات النهي عن تولي الكفار وفيه أيضا إشعار بكون هذه الآية كالمبينة لسابقتها حيث ختمت بنفي الحب عن الكافرين بأمر الإطاعة ، وقد كانت الآية الأولى متضمنة لإثبات الحب للمؤمنين المنقادين لأمر الاتباع فافهم ذلك.

وقد تبين من الكلام في هذه الآيات الكريمة أمور: أحدها: الرخصة في التقية في الجملة.

وثانيها: أن مؤاخذة تولي الكفار والتمرد عن النهي فيه لا يتخلف البتة ، وهي من القضاء الحتم.

وثالثها: أن الشريعة الإلهية ممثلة للإخلاص لله والإخلاص له ممثل لحب الله سبحانه ، وبعبارة أخرى الدين الذي هو مجموع المعارف الإلهية والأمور الخلقية والأحكام العملية على ما فيها من العرض العريض لا ينتهي بحسب التحليل إلا إلى الإخلاص فقط ، وهو وضع الإنسان ذاته وصفات ذاته وهي الأخلاق وأعمال ذاته وأفعاله على أساس أنها لله الواحد القهار ، والإخلاص المذكور لا يحلل إلا إلى الحب ، هذا من جهة التحليل.

ومن جهة التركيب ينتهي الحب إلى الإخلاص ، والإخلاص إلى مجموع الشريعة ، كما أن الدين بنظر آخر ينحل إلى التسليم والتسليم إلى التوحيد.

ورابعها: أن تولي الكافرين كفر والمراد به الكفر في الفروع دون الأصول ككفر مانع الزكوة وتارك الصلوة ويمكن أن يكون كفر المتولي بعناية ما ينجر إليه أمر التولي على ما مر بيانه ، وسيأتي في سورة المائدة.

في الدر المنثور ،: في قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء الآية ، أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وقد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خثيمة لأولئك النفر اجتنبوا هؤلاء النفر من يهود ، واحذروا مباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم فأبى أولئك النفر فأنزل الله: لا يتخذ المؤمنون الكافرين إلى قوله: والله على كل شيء قدير.

أقول: الرواية لا تلائم ظاهر الآية لما تقدم أن الكافرين في القرآن غير معلوم الإطلاق على أهل الكتاب ، فأولى بالقصة أن تكون سببا لنزول الآيات الناهية عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء دون هذه الآيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت