فهرس الكتاب

الصفحة 607 من 4314

3 سورة آل عمران - 33 - 34

إِنّ اللّهَ اصطفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ عَلى الْعَلَمِينَ (33) ذُرِّيّةَ بَعْضهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ (34)

افتتاح لقصص عيسى بن مريم وما يلحق بها وذكر حق القول فيها ، والاحتجاج على أهل الكتاب فيها ، وبالآيتين يرتبط ما بعدهما بما قبلهما من الآيات المتعرضة لحال أهل الكتاب.

قوله تعالى: إن الله اصطفى آدم ونوحا إلى آخر الآية الاصطفاء كما مر بيانه في قوله تعالى:"لقد اصطفيناه في الدنيا": البقرة - 130 ، أخذ صفوة الشيء وتخليصه مما يكدره فهو قريب من معنى الاختيار ، وينطبق من مقامات الولاية على مقام الإسلام ، وهو جري العبد في مجرى التسليم المحض لأمر ربه فيما يرتضيه له.

لكن ذلك غير الاصطفاء على العالمين ، ولو كان المراد بالاصطفاء هنا ذاك الاصطفاء لكان الأنسب أن يقال: من العالمين ، وأفاد اختصاص الإسلام بهم واختل معنى الكلام ، فالاصطفاء على العالمين ، نوع اختيار وتقديم لهم عليهم في أمر أو أمور لا يشاركهم فيه أو فيها غيرهم.

ومن الدليل على ما ذكرناه من اختلاف الاصطفاء قوله تعالى:"و إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين: آل عمران - 42 ، حيث فرق بين الاصطفاءين فالاصطفاء غير الاصطفاء."

وقد ذكر سبحانه في هؤلاء المصطفين آدم ونوحا ، فأما آدم فقد اصطفى على العالمين بأنه أول خليفة من هذا النوع الإنساني جعله الله في الأرض ، قال تعالى:"و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة": البقرة - 30 ، وأول من فتح به باب التوبة.

قال تعالى:"ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى": طه - 122 ، وأول من شرع له الدين ، قال تعالى:"فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى الآيات": طه - 123 ، فهذه أمور لا يشاركه فيها غيره ، ويا لها من منقبة له (عليه السلام) .

وأما نوح فهو أول الخمسة أولي العزم صاحب الكتاب والشريعة كما مر بيانه في تفسير قوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين": البقرة - 213 ، وهو الأب الثاني لهذا النوع ، وقد سلم الله تعالى عليه في العالمين ، قال تعالى:"و جعلنا ذريته هم الباقين وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين": الصافات - 79.

ثم ذكر سبحانه آل إبراهيم وآل عمران من هؤلاء المصطفين ، والآل خاصة الشيء ، قال الراغب في المفردات: الآل قيل مقلوب عن الأهل ، ويصغر على أهيل إلا أنه خص بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة والأمكنة ، يقال آل فلان ولا يقال: آل رجل وآل زمان كذا ، أو موضع كذا ، ولا يقال آل الخياط بل يضاف إلى الأشرف الأفضل ، يقال آل الله وآل السلطان ، والأهل يضاف إلى الكل ، يقال: أهل الله وأهل الخياط كما يقال أهل زمن كذا وبلد كذا ، وقيل هو في الأصل اسم الشخص ويصغر أويلا ، ويستعمل فيمن يختص بالإنسان اختصاصا ذاتيا إما بقرابة قريبة أو بموالاة انتهى موضع الحاجة ، فالمراد بآل إبراهيم وآل عمران خاصتهما من أهلهما والملحقين بهما على ما عرفت.

فأما آل إبراهيم فظاهر لفظه أنهم الطيبون من ذريته كإسحاق وإسرائيل والأنبياء من بني إسرائيل وإسماعيل والطاهرون من ذريته ، وسيدهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والملحقون بهم في مقامات الولاية إلا أن ذكر آل عمران مع آل إبراهيم يدل على أنه لم يستعمل على تلك السعة فإن عمران هذا إما هو أبو مريم أو أبو موسى (عليه السلام) ، وعلى أي تقدير هو من ذرية إبراهيم وكذا آله وقد أخرجوا من آل إبراهيم فالمراد بآل إبراهيم بعض ذريته الطاهرين لا جميعهم.

وقد قال الله تعالى فيما قال:"أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما": النساء - 54 ، والآية في مقام الإنكار على بني إسرائيل وذمهم كما يتضح بالرجوع إلى سياقها وما يحتف بها من الآيات ، ومن ذلك يظهر أن المراد من آل إبراهيم فيها غير بني إسرائيل أعني غير إسحاق ويعقوب وذرية يعقوب وهم أي ذرية يعقوب بنو إسرائيل فلم يبق لآل إبراهيم إلا الطاهرون من ذريته من طريق إسماعيل ، وفيهم النبي وآله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت