على أنا سنبين إن شاء الله أن المراد بالناس في الآية هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنه داخل في آل إبراهيم بدلالة الآية.
على أنه يشعر به قوله تعالى في ذيل هذه الآيات:"إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا"الآية: آل عمران - 68 ، وقوله تعالى:"و إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا إلى أن قال: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم الآيات": البقرة - 129.
فالمراد بآل إبراهيم الطاهرون من ذريته من طريق إسماعيل ، والآية ليست في مقام الحصر فلا تنافي بين عدم تعرضها لاصطفاء نفس إبراهيم واصطفاء موسى وسائر الأنبياء الطاهرين من ذريته من طريق إسحاق وبين ما تثبتها آيات كثيرة من مناقبهم وسمو شأنهم وعلو مقامهم ، وهي آيات متكثرة جدا لا حاجة إلى إيرادها ، فإن إثبات الشيء لا يستلزم نفي ما عداه.
وكذا لا ينافي مثل ما ورد في بني إسرائيل من قوله تعالى:"و لقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين": الجاثية - 16 ، كل ذلك ظاهر.
ولا أن تفضيلهم على العالمين ينافي تفضيل غيرهم على العالمين ، ولا تفضيل غيرهم عليهم فإن تفضيل قوم واحد أو أقوام مختلفين على غيرهم إنما يستلزم تقدمهم في فضيلة دنيوية أو أخروية على من دونهم من الناس ، ولو نافى تفضيلهم على الناس تفضيل غيرهم أو نافى تفضيل هؤلاء المذكورين في الآية أعني آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين تفضيل غيرهم على العالمين لاستلزم ذلك التنافي بين هؤلاء المذكورين في الآية أنفسهم ، وهو ظاهر.
ولا أن تفضيل هؤلاء على غيرهم ينافي وقوع التفاضل فيما بينهم أنفسهم فقد فضل الله النبيين على سائر العالمين وفضل بعضهم على بعض ، قال تعالى:"و كلا فضلنا على العالمين": الأنعام - 86 ، وقال أيضا:"و لقد فضلنا بعض النبيين على بعض": إسراء - 55.
وأما آل عمران فالظاهر أن المراد بعمران أبو مريم كما يشعر به تعقيب هاتين الآيتين بالآيات التي تذكر قصة امرأة عمران ومريم ابنة عمران ، وقد تكرر ذكر عمران أبي مريم باسمه في القرآن الكريم ، ولم يرد ذكر عمران أبي موسى حتى في موضع واحد يتعين فيه كونه هو المراد بعينه ، وهذا يؤيد كون المراد بعمران في الآية أبا مريم (عليها السلام) وعلى هذا فالمراد بآل عمران هو مريم وعيسى (عليهما السلام) أو هما وزوجة عمران.
وأما ما يذكر أن النصارى غير معترفين بكون اسم أبي مريم عمران فالقرآن غير تابع لهواهم.
قوله تعالى: ذرية بعضها من بعض ، الذرية - في الأصل صغار الأولاد على ما ذكروا ثم استعملت في مطلق الأولاد وهو المعنى المراد في الآية ، وهي منصوبة عطف بيان.
وفي قوله: بعضها من بعض دلالة على أن كل بعض فرض منها يبتدىء وينتهي من البعض الآخر وإليه.
ولازمه كون المجموع متشابه الأجزاء لا يفترق البعض من البعض في أوصافه وحالاته ، وإذا كان الكلام في اصطفائهم أفاد ذلك أنهم ذرية لا يفترقون في صفات الفضيلة التي اصطفاهم الله لأجلها على العالمين إذ لا جزاف ولا لعب في الأفعال الإلهية ، ومنها الاصطفاء الذي هو منشأ خيرات هامة في العالم.
قوله تعالى: والله سميع عليم ، أي سميع بأقوالهم الدالة على باطن ضمائرهم ، عليم بباطن ضمائرهم وما في قلوبهم فالجملة بمنزلة التعليل لاصطفائهم ، كما أن قوله: ذرية بعضها من بعض ، بمنزلة التعليل لشمول موهبة الاصطفاء لهؤلاء الجماعة ، فالمحصل من الكلام: أن الله اصطفى هؤلاء على العالمين ، وإنما سرى الاصطفاء إلى جميعهم لأنهم ذرية متشابهة الأفراد ، بعضهم يرجع إلى البعض في تسليم القلوب وثبات القول بالحق ، وإنما أنعم عليهم بالاصطفاء على العالمين لأنه سميع عليم يسمع أقوالهم ويعلم ما في قلوبهم.