مسألة"وجوب دخول أهل الثواب الجنة"مبنية على قاعدة عقلية مسلمة وهي أن الوفاء بالوعد واجب دون الوفاء بالوعيد لأن الذي تعلق به الوعد حق للموعود له ، وعدم الوفاء به إضاعة لحق الغير وهو من الظلم وأما الوعيد فهو جعل حق للموعد على التخلف الذي يوعد به له ، وليس من الواجب لصاحب الحق أن يستوفي حقه بل له أن يستوفي وله أن يترك والله سبحانه وعد عباده المطيعين الجنة بإطاعتهم ، وأوعد العاصين النار بعصيانهم فمن الواجب أن يدخل أهل الطاعة الجنة توفية للحق الذي جعله لهم على نفسه ، وأما عقاب العاصين فهو حق جعله لنفسه عليهم فله أن يعاقبهم فيستوفي حقه وله أن يتركهم بترك حق نفسه.
وأما مسألة عدم الخروج من الجنة بعد دخولها فهو مما تكاثرت عليه الآيات والروايات ، والإجماع الذي ذكره مبني على الذي تسلموه من دلالة الكتاب والسنة أو العقل على ذلك ، وليس بحجة مستقلة.
في الدر المنثور ،: أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن الله سبحانه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. ثم قرأ:"و كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى - وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد"وفيه ،: أخرج الترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: لما نزلت:"فمنهم شقي وسعيد"قلت: يا رسول الله فعلام نعمل ، على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: بل على شيء قد فرغ منه ، وجرت به الأقلام يا عمر ، ولكن كل ميسر لما خلق له أقول: وهذا اللفظ مروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بطرق متعددة من طرق أهل السنة كما في صحيح البخاري عن عمران بن الحصين قال: قلت يا رسول الله فيم يعمل العاملون؟ قال:"كل ميسر لما خلق له"وفيه ، أيضا عن علي كرم الله وجهه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ، أنه كان في جنازة فأخذ عودا فجعل ينكت في الأرض فقال ما منكم أحد إلا كتب مقعده من الجنة أو من النار. قالوا: أ لا نتكل؟ قال: اعملوا"فكل ميسر لما خلق له"وقرأ:"فأما من أعطى واتقى"إلخ.
ولتوضيح ذلك نقول: إنه لا يخفى على ذي مسكة أن كلا من الحوادث الجارية في هذا العالم من أعيان وآثارها ما لم يلبس لباس التحقق والوجود فهو على حد الإمكان وللإمكان نسبة إلى الوجود والعدم معا ، فالخشبة ما لم تصر رمادا بالاحتراق لها إمكان أن تصير رمادا وأن لا تصير ، والمني ما لم يصر إنسانا بالفعل فلها إمكان الإنسانية أي أنها تحمل استعداد أن يصير إنسانا إن اجتمع معها بقية أجزاء العلة الموجبة للإنسانية واستعداد أن يبطل فيصير شيئا غير الإنسان.
وإذا تلبس بلباس الوجود وصار مثلا رمادا بالفعل وإنسانا بالفعل بطل عند ذلك عنه الإمكان الذي كان ينسبه إلى الرماد وغيره معا وإلى الإنسان وعدمه معا ، وصار إنسانا فحسب يمتنع غيره ورمادا يمتنع مع هذه الفعلية غيره.
وبهذا يتضح أنا إذا أخذنا الفعليات ونسبناها إلى عللها الموجبة لها وهكذا نسبنا عللها إلى علل العلل كان العالم بهذه النظرة سلسلة من الفعليات لا يتغير شيء منها عما هو عليه ، وبطل الإمكانات والاستعدادات والاختيارات جميعا ، وإذا نظرنا إلى الأمور من جهة الإمكانات والاستعدادات التي تحملها بالنسبة إلى غايات حركاتها لم يخرج شيء من الأشياء المادية من حيز الإمكان ومستقر الاختيار.
فللكون وجهان: وجه ضرورة وفعلية يتعين فيه كل جزء من أجزائه من عين أو أثر عين ، ولا يقبل أي إبهام وتردد ، وأي تغيير وتبديل وهو الوجه الذي تقوم فيه المسببات بأسبابها الموجبة والمعلولات بعللها التامة التي لا تنفك عن مقتضياتها ولا تتخلف معلولاتها عنها ولا تنفع في تغييرها عما هي عليه حيلة ، ولا في تبديلها سعي ولا حركة.