فهرس الكتاب

الصفحة 3152 من 4314

و قول بعضهم: إن الفاعل ضمير راجع إلى السجود بناء على ما رووا أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه سجدوا فتباعدوا عنهم مستهزءين ليس بسديد فإن وقوع واقعة ما لا يؤثر في دلالة اللفظ ما لم يتعرض له لفظا.

ولا تعرض في الآية لهذه القصة أصلا.

قوله تعالى:"تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا"الظاهر أن المراد بالبروج منازل الشمس والقمر من السماء أو الكواكب التي عليها كما تقدم في قوله:"و لقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم": الحجر: 17 ، وإنما خصت بالذكر في الآية للإشارة إلى الحفظ والرجم المذكورين.

والمراد بالسراج الشمس بدليل قوله:"و جعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا: نوح: 16."

وقد قرروا الآية أنها احتجاج بوحدة التدبير العجيب السماوي والأرضي على وحدة المدبر فيجب التوجه بالعبادات إليه وصرف الوجه عن غيره.

والتدبر في اتصال الآيتين بما قبلهما وسياق الآيات لا يساعد عليه لأن مضمون الآية السابقة من استكبارهم على الرحمن إذا أمروا بالسجود له واستهزائهم بالرسول لا نسبة كافية بينه وبين الاحتجاج على توحيد الربوبية حتى يعقب به ، وإنما المناسب لهذا المعنى إظهار العزة والغنى وأنهم غير معجزين لله بفعالهم هذا ولا خارجين عن ملكه وسلطانه.

والذي يعطيه التدبر أن قوله:"تبارك الذي جعل في السماء بروجا"إلخ ، مسوق سوق التعزز والاستغناء ، وأنهم غير معجزين باستكبارهم على الله واستهزائهم بالرسول بل هؤلاء ممنوعون عن الاقتراب من حضرة قربه والصعود إلى سماء جواره والمعارف الإلهية مضيئة مع ذلك لأهله وعباده بما نورها الله سبحانه بنور هدايته وهو نور الرسالة.

وعلى هذا فقد أثنى الله سبحانه على نفسه بذكر تباركه بجعل البروج المحفوظة الراجمة للشياطين بالشهب في السماء المحسوسة وجعل الشمس المضيئة والقمر المنير فيها لإضاءة العالم المحسوس ، وأشار بذلك إلى ما يناظره في الحقيقة من إضاءة العالم الإنساني بنور الهداية من الرسالة ليتبصر به عباده ، كما يذكر حالهم بعد هذه الآيات ودفع أولياء الشياطين عن الصعود إليه بما هيأ لدفعهم من بروج محفوظة راجمة.

هذا ما يعطيه السياق وعلى هذا النمط من البيان سيقت هذه الآيات والتي قبلها كما تقدمت الإشارة إليه في تفسير قوله:"أ لم تر إلى ربك كيف مد الظل"فليس ما ذكرناه من التأويل بمعنى صرف الآيات عن ظاهرها.

قوله تعالى:"و هو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا"الخلفة هي الشيء يسد مسد شيء آخر وبالعكس وكأنه بناء نوع أريد به معنى الوصف فكون الليل والنهار خلفة أن كلا منهما يخلف الآخر ، وتقييد الخلفة بقوله:"لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا"للدلالة على نيابة كل منهما عن الآخر في التذكر والشكر.

والمقابلة بين التذكر والشكر يعطي أن المراد بالتذكر الرجوع إلى ما يعرفه الإنسان بفطرته من الحجج الدالة على توحيد ربه وما يليق به تعالى من الصفات والأسماء وغايته الإيمان بالله ، وبالشكور القول أو الفعل الذي ينبىء عن الثناء عليه بجميل ما أنعم ، وينطبق على عبادته وما يلحق بها من صالح العمل.

وعلى هذا فالآية اعتزاز أو امتنان بجعله تعالى الليل والنهار بحيث يخلف كل صاحبه فمن فاته الإيمان به في هذه البرهة من الزمان تداركه في البرهة الأخرى منه ، ومن لم يوفق لعبادة أو لأي عمل صالح في شيء منهما أتى به في الآخر.

هذا ما تفيده الآية ولها مع ذلك ارتباط بقوله في الآية السابقة:"و جعل فيها سراجا وقمرا منيرا"ففيه إشارة إلى أن الله سبحانه وإن دفع أولئك المستكبرين عن الصعود إلى ساحة قربه لكنه لم يمنع عباده عن التقرب إليه والاستضاءة بنوره فجعل نهارا ذا شمس طالعة وليلا ذا قمر منير وهما ذوا خلفة من فاته ذكر أو شكر في أحدهما أتى به في الآخر.

وفسر بعضهم التذكر بصلاة الفريضة والشكور بالنافلة والآية تقبل الانطباق على ذلك وإن لم يتعين حملها عليه.

في الدر المنثور ،: في قوله تعالى:"أ رأيت من اتخذ إلهه هواه": أخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت