فهرس الكتاب

الصفحة 3151 من 4314

قوله تعالى:"الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا"ظاهر السياق أن الموصول صفة لقوله في الآية السابقة:"الحي الذي لا يموت"وبهذه الآية يتم البيان في قوله:"و توكل على الحي الذي لا يموت"فإن الوكالة كما تتوقف على حياة الوكيل تتوقف على العلم ، وقد ذكره في قوله:"و كفى به بذنوب عباده خبيرا"وتتوقف على السلطنة على الحكم والتصرف وهو الذي تتضمنه هذه الآية بما فيها من حديث خلق السماوات والأرض والاستواء على العرش.

وقد تقدم تفسير صدر الآية في مواضع من السور السابقة ، وأما قوله:"الرحمن فاسأل به خبيرا"فالذي يعطيه السياق ويهدي إليه النظم أن يكون الرحمن خبرا لمبتدإ محذوف والتقدير هو الرحمن ، وقوله:"فاسأل"متفرعا عليه والفاء للتفريع ، والباء في قوله:"به"للتعدية مع تضمين السؤال معنى الاعتناء.

وقوله:"خبيرا"حال من الضمير.

والمعنى: هو الرحمن - الذي استوى على عرش الملك والذي برحمته وإفاضته يقوم الخلق والأمر ومنه يبتدىء كل شيء وإليه يرجع - فاسأله عن حقيقة الحال يخبرك بها فإنه خبير.

فقوله:"فاسأل به خبيرا"كناية عن أن الذي أخبر به حقيقة الأمر التي لا معدل عنها وهذا كما يقول من سئل عن أمر: سلني أجبك إن كذا وكذا ومن هذا الباب قولهم: على الخبير سقطت.

ولهم في قوله:"الرحمن فاسأل به خبيرا"أقوال أخرى كثيرة: فقيل: إن الرحمن مرفوع على القطع للمدح ، وقيل: مبتدأ خبره قوله:"فاسأل به"وقيل: خبر مبتدؤه"الذي"في صدر الآية ، وقيل: بدل من الضمير المستكن في"استوى".

وقيل في"فاسأل به"إنه خبر للرحمن كما تقدم والفاء فصيحة ، وقيل: جملة مستقلة متفرعة على ما قبلها والفاء للتفريع ثم الباء في"به"للصلة أو بمعنى عن والضمير راجع إليه تعالى أو إلى ما تقدم من الخلق والاستواء.

وقيل"خبيرا"حال عن الضمير وهو راجع إليه تعالى ، والمعنى فاسأل الله حال كونه خبيرا ، وقيل: مفعول فاسأل والباء بمعنى عن والمعنى فاسأل عن الرحمن أو عن حديث الخلق والاستواء خبيرا ، والمراد بالخبير هو الله سبحانه ، وقيل جبرئيل وقيل: محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقيل: من قرأ الكتب السماوية القديمة ووقف على صفاته وأفعاله تعالى وكيفية الخلق والإيجاد ، وقيل: كل من كان له وقوف على هذه الحقائق.

وهذه الوجوه المتشتتة جلها أو كلها لا تلائم ما يعطيه سياق الآيات الكريمة ولا موجب للتكلم عليها والغور فيها.

قوله تعالى:"و إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أ نسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا"هذا فصل آخر من معاملتهم السوء مع الرسول ودعوته الحقة يذكر فيه استكبارهم عن السجود لله سبحانه إذا دعوا إليه ونفورهم منه وللآية اتصال خاص بما قبلها من حيث ذكر الرحمن فيها وقد وصف في الآية السابقة بما وصف ولعل اللام فيه للعهد.

فقوله:"و إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن"الضمير للكفار ، والقائل هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بدليل قوله بعد:"أ نسجد لما تأمرنا"ولم يذكر اسمه ليتوجه استكبارهم إلى الله سبحانه وحده.

وقوله:"قالوا وما الرحمن"سؤال منهم عن هويته ومائيته مبالغة منهم في التجاهل به استكبارا منهم على الله ولو لا ذلك لقالوا: ومن الرحمن ، وهذا كقول فرعون لموسى لما دعاه إلى رب العالمين:"و ما رب العالمين": الشعراء: 23 ، وقول إبراهيم لقومه:"ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون": الأنبياء: 52 ، ومراد السائل في مثل هذا السؤال أنه لا معرفة له من المسئول عنه بشيء أزيد من اسمه كقول هود لقومه:"أ تجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم": الأعراف: 71.

وقوله حكاية عنهم:"أ نسجد لما تأمرنا"في تكرار التعبير عنه تعالى بما إصرار على الاستكبار ، والتعبير عن طلبه عنهم السجدة بالأمر لا يخلو من تهكم واستهزاء.

وقوله:"و زادهم نفورا"معطوف على جواب إذا والمعنى: وإذا قيل لهم اسجدوا استكبروا وزادهم ذلك نفورا ففاعل زادهم ضمير راجع إلى القول المفهوم من سابق الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت