فهرس الكتاب

الصفحة 3150 من 4314

ففيه وضع الفاعل وهو من اتخذ السبيل موضع فعله وهو اتخاذ السبيل شكرا له ففي الكلام عد اتخاذهم سبيلا إلى الله سبحانه باستجابة الدعوة أجرا لنفسه ففيه تلويح إلى نهاية استغنائه عن أجر مالي أو جاهي منهم ، وأنه لا يريد منهم وراء استجابتهم للدعوة واتباعهم للحق شيئا آخر من مال أو جاه أو أي أجر مفروض فليطيبوا نفسا ولا يتهموه في نصيحته.

وقد علق اتخاذ السبيل على مشيتهم للدلالة على حريتهم الكاملة عن قبله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا إكراه ولا إجبار إذ لا وظيفة له عن قبل ربه وراء التبشير والإنذار وليس عليهم بوكيل بل الأمر إلى الله يحكم فيهم ما يشاء.

فقوله:"قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ"إلخ بعد ما سجل لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ليس له إلا الرسالة بالتبشير والإنذار يأمره أن يبلغهم أن لا بغية له في دعوتهم إلا أن يستجيبوا له ويتخذوا إلى ربهم سبيلا من غير غرض زائد من الأجر أيا ما كان ، وأن لهم الخيرة في أمرهم من غير أي إجبار وإكراه فهم والدعوة إن شاءوا فليؤمنوا وإن شاءوا فليكفروا.

هذا ما يرجع إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو تبليغ الرسالة فحسب من غير طمع في أجر ولا تحميل عليهم بإكراه أو انتقام منهم بنكال ، وأما ما وراء ذلك فهو لله فليرجعه إليه وليتوكل عليه كما أشار إليه في الآية التالية:"و توكل على الحي الذي لا يموت".

وذكر جمهور المفسرين أن الاستثناء منقطع ، والمعنى لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا أي بالإنفاق القائم مقام الأجر كالصدقة والإنفاق في سبيل الله فليفعل ، وهو ضعيف لا دليل عليه لا من جهة لفظ الجملة ولا من جهة السياق.

وقال بعضهم: إنه متصل والكلام بحذف مضاف والتقدير إلا فعل من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بالإيمان والطاعة حسبما أدعو إليهما.

وفيه أخذ استجابتهم له أجرا لنفسه وقطعا لشائبة الطمع بالكلية وتطييبا لأنفسهم ، ويرجع هذا الوجه بحسب المعنى إلى ما قدمناه ويمتاز منه بتقدير مضاف والتقدير خلاف الأصل.

وقال آخرون: إنه متصل بتقدير مضاف والتقدير لا أسألكم عليه من أجر إلا أجر من شاء"إلخ"أي إلا الأجر الحاصل لي من إيمانه فإن الدال على الخير كفاعله.

وفيه أن مقتضى هذا المعنى أن يقال: إلا من اتخذ إلى ربه سبيلا فلا حاجة إلى تعليق الاتخاذ بالمشية والأجر إنما يترتب على العمل دون مشيته.

قوله تعالى:"و توكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا"لما سجل على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ليس له من أمرهم شيء إلا الرسالة وأمره أن يبلغهم أن لا بغية له في دعوتهم إلا الاستجابة لها وأنهم على خيرة من أمرهم إن شاءوا آمنوا وإن شاءوا كفروا تمم ذلك بأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتخذه تعالى وكيلا في أمرهم فهو تعالى عليهم وعلى كل شيء وكيل وبذنوب عباده خبير.

فقوله:"و توكل على الحي الذي لا يموت"أي اتخذه وكيلا في أمرهم يحكم فيهم ما يشاء ويفعل بهم ما يريد فإنه الوكيل عليهم وعلى كل شيء وقد عدل عن تعليق التوكل بالله إلى تعليقه بالحي الذي لا يموت ليفيد التعليل فإن الحي الذي لا يموت لا يفوته فائت فهو المتعين لأن يكون وكيلا.

وقوله:"و سبح بحمده"أي نزهه عن العجز والجهل وكل ما لا يليق بساحة قدسه مقارنا ذلك للثناء عليه بالجميل فإن أمهلهم واستدرجهم بنعمه فليس عن عجز فعل بهم ذلك ولا عن جهل بذنوبهم وإن أخذهم بذنوبهم فبحكمة اقتضته وباستحقاق منهم استدعى ذلك فسبحانه وبحمده.

وقوله:"و كفى به بذنوب عباده خبيرا"مسوق للدلالة على توحيده في فعله وصفته فهو الوكيل المتصرف في أمور عباده وحده وهو خبير بذنوبهم وحاكم فيهم وحده من غير حاجة إلى من يعينه في علمه أو في حكمه.

ومن هنا يظهر أن الآية التالية:"الذي خلق السماوات والأرض"متممة لقوله:"و توكل على الحي الذي لا يموت"إلخ ، لاشتمالها على توحيده في ملكه وتصرفه كما يشتمل قوله:"و كفى به"إلخ على علمه وخبرته وبالحياة والملك والعلم معا يتم معنى الوكالة وسنشير إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت