فهرس الكتاب

الصفحة 3149 من 4314

قوله تعالى:"و هو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا"المرج الخلط ومنه أمر مريج أي مختلط ، والعذب من الماء ما طاب طعمه ، والفرات منه ما كثر عذوبته ، والملح هو الماء المتغير طعمه.

والأجاج شديد الملوحة ، والبرزخ هو الحد الحاجز بين شيئين ، وحجرا محجورا أي حراما محرما أن يختلط أحد الماءين بالآخر.

وقوله:"و جعل بينهما"إلخ قرينة على أن المراد بمرج البحرين إرسال الماءين متقارنين لا الخلط بمعنى ضرب الأجزاء بعضها ببعض.

والكلام معطوف على ما عطف عليه قوله:"و هو الذي أرسل الرياح"إلخ ، وفيه تنظير لأمر الرسالة من حيث تأديتها إلى تمييز المؤمن من الكافر مع كون الفريقين يعيشان على أرض واحدة مختلطين وهما مع ذلك غير متمازجين كما تقدمت الإشارة إليه في أول الآيات التسع.

قوله تعالى:"و هو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا"الصهر على ما نقل عن الخليل الختن وأهل بيت المرأة فالنسب هو التحرم من جهة الرجل والصهر هو التحرم من جهة المرأة - كما قيل - ويؤيده المقابلة بين النسب والصهر.

وقد قيل: إن كلا من النسب والصهر بتقدير مضاف والتقدير فجعله ذا نسب وصهر ، والضمير للبشر ، والمراد بالماء النطفة ، وربما احتمل أن يكون المراد به مطلق الماء الذي خلق الله منه الأشياء الحية كما قال:"و جعلنا من الماء كل شيء حي": الأنبياء: 30.

والمعنى: وهو الذي خلق من النطفة - وهي ماء واحد - بشرا فقسمه قسمين ذا نسب وذا صهر يعني الرجل والمرأة وهذا تنظير آخر يفيد ما تفيده الآية السابقة أن لله سبحانه أن يحفظ الكثرة في عين الوحدة والتفرق في عين الاتحاد وهكذا يحفظ اختلاف النفوس والآراء بالإيمان والكفر مع اتحاد المجتمع البشري بما بعث الله الرسل لكشف حجاب الضلال الذي من شأنه غشيانه لو لا الدعوة الحقة.

وقوله:"و كان ربك قديرا"في إضافة الرب إلى ضمير الخطاب من النكتة نظير ما تقدم في قوله:"أ لم تر إلى ربك".

قوله تعالى:"و يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا"معطوف على قوله:"و إذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا".

والظهير بمعنى المظاهر على ما قيل والمظاهرة المعاونة.

والمعنى: ويعبدون - هؤلاء الكفار المشركون - من دون الله ما لا ينفعهم بإيصال الخير على تقدير العبادة ولا يضرهم بإيصال الشر على تقدير ترك العبادة وكان الكافر معاونا للشيطان على ربه.

وكون هؤلاء المعبودين وهم الأصنام ظاهرا لا ينفعون ولا يضرون لا ينافي كون عبادتهم مضرة فلا يستلزم نفي الضرر عنهم أنفسهم حيث لا يقدرون على شيء نفي الضرر عن عبادتهم المضرة المؤدية للإنسان إلى شقاء لازم وعذاب دائم.

قوله تعالى:"و ما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا"أي لم نجعل لك في رسالتك إلا التبشير والإنذار وليس لك وراء ذلك من الأمر شيء فلا عليك إن كانوا معاندين لربهم مظاهرين لعدوه عليه فليسوا بمعجزين لله وما يمكرون إلا بأنفسهم ، هذا هو الذي يعطيه السياق.

وعليه فقوله:"و ما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا"هذا الفصل من الكلام نظير قوله:"أ فأنت تكون عليه وكيلا"في الفصل السابق.

ومنه يظهر أن أخذ بعضهم الآية تسلية منه تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال والمراد ما أرسلناك إلا مبشرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين فلا تحزن على عدم إيمانهم.

غير سديد.

قوله تعالى:"قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا"ضمير"عليه"للقرآن بما أن تلاوته عليهم تبلغ للرسالة كما قال تعالى:"إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا": المزمل: 19 ، الدهر: 29 ، وقال:"قل ما أسألكم عليه أجرا وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين: ص: 87."

وقوله:"إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا"استثناء منقطع في معنى المتصل فإنه في معنى إلا أن يتخذ إلى ربه سبيلا من شاء ذلك على حد قوله تعالى:"يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم": الشعراء: 89 ، أي إلا أن يأتي الله بقلب سليم من أتاه به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت