لكن الآيات تحكم على المسلمين بملاكها دائما فعلى المسلم أن يقيم حيث يتمكن فيه من تعلم معالم الدين ، ويستطيع إقامة شعائره والعمل بأحكامه ، وأن يهجر الأرض التي لا علم فيها بمعارف الدين ، ولا سبيل إلى العمل بأحكامه من غير فرق بين أن تسمى اليوم دار الإسلام أو دار شرك فإن الأسماء تغيرت اليوم وهجرت مسمياتها وصار الدين جنسية ، والإسلام مجرد تسم من غير أن يراعى في تسميته الاعتقاد بمعارفه أو العمل بأحكامه.
والقرآن الكريم إنما يرتب الأثر على حقيقة الإسلام دون اسمه ويكلف الناس من العمل ما فيه شيء من روحه لا ما هو صورته ، قال تعالى:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا": النساء: 124 ، وقال تعالى:"إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون": البقرة: 62.
في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا ، وكانوا يستخفون بالإسلام ، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر ، فأصيب بعضهم ، وقتل بعض ، فقال المسلمون: قد كان أصحابنا هؤلاء مسلمين ، وأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت هذه الآية ،:"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم"إلى آخر الآية ، . قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية ، وأنه لا عذر لهم فخرجوا فلحقهم المشركون ، فأعطوهم الفتنة فأنزلت فيهم هذه الآية ،"و من الناس من يقول آمنا بالله ، فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ،"إلى آخر الآية ، فكتب المسلمون إليهم بذلك فحزنوا ، وأيسوا من كل خير فنزلت فيهم ،"ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ، ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ، فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجا ، فاخرجوا فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل. وفيه ، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك: في الآية قال هم أناس من المنافقين ، تخلفوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة ، فلم يخرجوا معه إلى المدينة ، وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر ، فأصيبوا يوم بدر فيمن أصيب ، فأنزل الله فيهم هذه الآية. وفيه ، أخرج ابن جرير عن ابن زيد: في الآية قال: لما بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وظهر ، ونبع الإيمان نبع النفاق معه ، فأتى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجال ، فقالوا: يا رسول الله لو لا أنا نخاف هؤلاء القوم يعذبونا ، ويفعلون ويفعلون لأسلمنا ، ولكن نشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله فكانوا يقولون ذلك له ، فلما كان يوم بدر قام المشركون ، فقالوا لا يتخلف عنا أحد إلا هدمنا داره واستبحنا ماله ، فخرج أولئك الذين كانوا يقولون ذلك القول للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، معهم فقتلت طائفة منهم ، وأسرت طائفة. قال: فأما الذين قتلوا فهم الذين قال الله: ، إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم"، الآية كلها ، أ لم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ، وتتركوا ، هؤلاء الذين يستضعفونكم ، أولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا"، . ثم عذر الله أهل الصدق فقال:"إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ، يتوجهون له ، لو خرجوا لهلكوا ، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم"إقامتهم بين ظهري المشركين ، . وقال الذين أسروا: يا رسول الله ، إنك تعلم أنا كنا نأتيك فنشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، وأن هؤلاء القوم خرجنا معهم خوفا ، فقال الله:"يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ، إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ، مما أخذ منكم ويغفر لكم صنيعكم الذي صنعتم ، خروجكم مع المشركين على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل ، خرجوا مع المشركين فأمكن منهم.