2 سورة البقرة - 188
وَلا تَأْكلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلى الحُْكامِ لِتَأْكلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَلِ النّاسِ بِالاثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (188)
قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، المراد بالأكل الأخذ أو مطلق التصرف مجازا ، والمصحح لهذا الإطلاق المجازي كون الأكل أقرب الأفعال الطبيعية التي يحتاج الإنسان إلى فعلها وأقدمها فالإنسان أول ما ينشأ.
وجوده يدرك حاجته إلى التغذي ثم ينتقل منه إلى غيره من الحوائج الطبيعية كاللباس والمسكن والنكاح ونحو ذلك ، فهو أول تصرف يستشعر به من نفسه ، ولذلك كان تسمية التصرف والأخذ ، وخاصة في مورد الأموال ، أكلا لا يختص باللغة العربية بل يعم سائر اللغات.
والمال ما يتعلق به الرغبات من الملك ، كأنه مأخوذ من الميل لكونه مما يميل إليه القلب ، والبين هو الفصل الذي يضاف إلى شيئين فأزيد ، والباطل يقابل الحق الذي هو الأمر الثابت بنحو من الثبوت.
وفي تقييد الحكم ، أعني قوله: ولا تأكلوا أموالكم ، بقوله: بينكم ، دلالة على أن جميع الأموال لجميع الناس وإنما قسمه الله تعالى بينهم تقسيما حقا بوضع قوانين عادلة تعدل الملك تعديلا حقا يقطع منابت الفساد لا يتعداه تصرف من متصرف إلا كان باطلا ، فالآية كالشارحة لإطلاق قوله تعالى: خلق لكم ما في الأرض جميعا وفي إضافته الأموال إلى الناس إمضاء منه لما استقر عليه بناء المجتمع الإنساني من اعتبار أصل الملك واحترامه في الجملة من لدن استكن هذا النوع على بسيط الأرض على ما يذكره النقل والتاريخ ، وقد ذكر هذا الأصل في القرآن بلفظ الملك والمال ولام الملك والاستخلاف وغيرها في أزيد من مائة مورد ولا حاجة إلى إيرادها في هذا الموضع ، وكذا بطريق الاستلزام في آيات تدل على تشريع البيع والتجارة ونحوهما في بضعة مواضع كقوله تعالى:"و أحل الله البيع:"البقرة - 275 ، وقوله تعالى:"و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض:"النساء - 29 ، وقوله تعالى:"تجارة تخشون كسادها:"التوبة - 24 ، وغيرها ، والسنة المتواترة تؤيده.
قوله تعالى: وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا ، الإدلاء هو إرسال الدلو في البئر لنزح الماء كني به عن مطلق تقريب المال إلى الحكام ليحكموا كما يريده الراشي ، وهو كناية لطيفة تشير إلى استبطان حكمهم المطلوب بالرشوة الممثل لحال الماء الذي في البئر بالنسبة إلى من يريده ، والفريق هو القطعة المفروقة المعزولة من الشيء ، والجملة معطوفة على قوله: تأكلوا ، فالفعل مجزوم بالنهي ، ويمكن أن يكون الواو بمعنى مع والفعل منصوبا بأن المقدرة ، والتقدير مع أن تأكلوا فتكون الآية بجملتها كلاما واحدا مسوقا لغرض واحد ، وهو النهي عن تصالح الراشي والمرتشي على أكل أموال الناس بوضعها بينهما وتقسيمها لأنفسهما بأخذ الحاكم ما أدلى به منها إليه وأخذ الراشي فريقا آخر منها بالإثم وهما يعلمان أن ذلك باطل غير حق.
في الكافي ، عن الصادق (عليه السلام) في الآية: كانت تقامر الرجل بأهله وماله فنهاهم الله عن ذلك.
وفي الكافي ، أيضا عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : قول الله عز وجل في كتابه: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ، قال يا أبا بصير إن الله عز وجل قد علم أن في الأمة حكاما يجورون ، أما أنه لم يعن حكام أهل العدل ولكنه عنى حكام أهل الجور ، يا أبا محمد لو كان لك على رجل حق فدعوته إلى حكام أهل العدل فأبى عليك إلا أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له لكان ممن يحاكم إلى الطاغوت وهو قول الله عز وجل: أ لم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت.
وفي المجمع ، قال: روي عن أبي جعفر (عليه السلام) يعني بالباطل اليمين الكاذبة يقطع بها الأموال.
أقول: وهذه مصاديق والآية مطلقة.