72 سورة الجن - 18 - 28
وَأَنّ الْمَسجِدَ للّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَدًا (18) وَأَنّهُ لمَّا قَامَ عَبْدُ اللّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) قُلْ إِنّمَا أَدْعُوا رَبى وَلا أُشرِك بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنى لا أَمْلِك لَكمْ ضرّا وَلا رَشدًا (21) قُلْ إِنى لَن يجِيرَنى مِنَ اللّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلا بَلَغًا مِّنَ اللّهِ وَرِسلَتِهِ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسولَهُ فَإِنّ لَهُ نَارَ جَهَنّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23) حَتى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسيَعْلَمُونَ مَنْ أَضعَف نَاصِرًا وَأَقَلّ عَدَدًا (24) قُلْ إِنْ أَدْرِى أَ قَرِيبٌ مّا تُوعَدُونَ أَمْ يجْعَلُ لَهُ رَبى أَمَدًا (25) عَلِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلا مَنِ ارْتَضى مِن رّسولٍ فَإِنّهُ يَسلُك مِن بَينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصدًا (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسلَتِ رَبهِمْ وَأَحَاط بِمَا لَدَيهِمْ وَأَحْصى كلّ شىْءٍ عَدَدَا (28)
في الآيات تسجيل للنبوة وذكر وحدانيته تعالى والمعاد كالاستنتاج من القصة وتختتم بالإشارة إلى عصمة الرسالة.
قوله تعالى:"و أن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا"معطوف على قوله:"إنه استمع"إلخ ، وجملة"إن المساجد لله"في موضع التعليل لقوله:"فلا تدعوا مع الله أحدا"والتقدير لا تدعوا مع الله أحدا غيره لأن المساجد له.
والمراد بالدعاء العبادة وقد سماها الله دعاء كما في قوله:"و قال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين": المؤمن 60.
وقد اختلف في المراد من المساجد فقيل: المراد به الكعبة ، وقيل المسجد الحرام ، وقيل: المسجد الحرام وبيت المقدس ، ويدفعها كون المساجد جمعا لا ينطبق على الواحد والاثنين.
وقيل: الحرم ، وهو تهكم لا دليل عليه ، وقيل: الأرض كلها لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وفيه أنه لا يدل على أزيد من جواز العبادة في أي بقعة من بقاع الأرض خلافا لما هو المعروف عن اليهود والنصارى من عدم جواز عبادته تعالى في غير البيع والكنائس ، وأما تسمية بقاعها مساجد حتى يحمل عليها عند الإطلاق فلا.
وقيل: المراد به الصلوات فلا يصلى إلا لله ، وهو تهكم لا دليل عليه.
وعن الإمام الجواد (عليه السلام) : أن المراد بالمساجد الأعضاء السبعة التي يسجد عليها في الصلاة وهي الجبهة والكفان والركبتان وأصابع الرجلين ، وستوافيك روايته في البحث الروائي التالي إن شاء الله ، ونقل ذلك أيضا عن سعيد بن جبير والفراء والزجاج.
والأنسب على هذا أن يكون المراد بكون مواضع السجود من الإنسان لله اختصاصها به اختصاصا تشريعيا ، والمراد بالدعاء السجدة لكونها أظهر مصاديق العبادة أو الصلاة بما أنها تتضمن السجود لله سبحانه.
والمعنى: وأوحي إلي أن أعضاء السجود يختص بالله تعالى فاسجدوا له بها - أو اعبدوه بها - ولا تسجدوا - أو لا تعبدوا - أحدا غيره.
قوله تعالى"و أنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا"اللبد بالكسر فالفتح جمع لبدة بالضم فالسكون المجتمعة المتراكمة ، والمراد بعبد الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما تدل عليه الآية التالية ، والتعبير بعبد الله كالتمهيد لقوله في الآية التالية:"قل إنما أدعوا ربي".
والأنسب لسياق الآيات التالية أن يكون مرجع ضميري الجمع في قوله:"كادوا يكونون"المشركين وقد كانوا يزدحمون عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا صلى وقرأ القرآن يستهزءون ويرفعون أصواتهم فوق صوته على ما نقل.
والمعنى: وأنه لما قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعبد الله بالصلاة كاد المشركون يكونون بازدحامهم لبدا مجتمعين متراكمين.
وقيل: الضميران للجن وأنهم اجتمعوا عليه وتراكموا ينظرون إليه متعجبين مما يشاهدون من عبادته وقراءته قرآنا لم يسمعوا كلاما يماثله.
وقيل: الضميران للمؤمنين بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المجتمعين عليه اقتداء به في صلاته إذا صلى وإنصاتا لما يتلوه من كلام الله.
والوجهان لا يلائمان سياق الآيات التالية تلك الملاءمة كما تقدمت الإشارة إليه.