فهرس الكتاب

الصفحة 3646 من 4314

يقول: إن وجودكم يبتدىء منه تعالى وينتهي إليه تعالى فعند ما تظهرون من كتم العدم - وهو خلقكم أول مرة - يعطيكم الوجود ويملككم الصفات والأفعال فتنسب إليكم ثم ترجعون وتنتهون إليه فيرجع ما عندكم من ظاهر الملك الموهوب إليه فلا يبقى ملك إلا وهو لله سبحانه.

فهو سبحانه المالك لجميع ما عندكم أولا وآخرا فما عندكم من شيء في أول وجودكم هو الذي أعطاكموه وملكه لكم وهو أعلم بما أعطى وأودع ، وما عندكم من شيء حينما ترجعون إليه هو الذي يقبضه منكم إليه ويملكه فكيف لا يعلمه ، وانكشافه له سبحانه حينما يرجع إليه إنطاقه لكم وشهادتكم على أنفسكم عنده.

وبما مر من البيان يظهر وجه تقييد قوله:"و هو خلقكم"بقوله:"أول مرة"فالمراد به أول وجودهم.

ولهم في قوله:"قالوا أنطقنا الله"في معنى الإنطاق نظائر ما تقدم في قوله:"شهد عليهم"من الأقوال فمن قائل: إن الله يخلق لهم يومئذ العلم والقدرة على النطق فينطقون ، ومن قائل: إنه يخلق عند الأعضاء أصواتا شبيهة بنطق الناطقين وهو المراد بنطقهم ، ومن قائل: إن المراد بالنطق دلالة ظاهر الحال على ذلك.

وكذا في عموم قوله:"أنطق كل شيء"فقيل: هو مخصص بكل حي نطق إذ ليس كل شيء ولا كل حي ينطق بالنطق الحقيقي ومثل هذا التخصيص شائع ومنه قوله تعالى في الريح المرسلة إلى عاد:"تدمر كل شيء:"الأحقاف: - 25.

وقيل: النطق في"أنطقنا"بمعناه الحقيقي وفي قوله:"أنطق كل شيء"بمعنى الدلالة فيبقى الإطلاق على حاله.

ويرد عليهما أن تخصيص الآية أو حملها على المعنى المجازي مبني على تسلم كون غير ما نعده من الأشياء حيا ناطقا كالإنسان والحيوان والملك والجن فاقدا للعلم والنطق على ما نراه من حالها.

لكن لا دليل على فقدان الأشياء غير ما استثنيناه للشعور والإرادة سوى أنا في حجاب من بطون ذواتها لا طريق لنا إلى الاطلاع على حقيقة حالها ، والآيات القرآنية وخاصة الآيات المتعرضة لشئون يوم القيامة ظاهرة في عموم العلم.

كررنا الإشارة في الأبحاث المتقدمة إلى أن الظاهر من كلامه تعالى أن العلم صار في الموجودات عامة كما تقدم في تفسير قوله تعالى:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم:"إسراء: - 44 فإن قوله:"و لكن لا تفقهون"نعم الدليل على كون التسبيح منهم عن علم وإرادة لا بلسان الحال.

ومن هذا القبيل قوله:"فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين"وقد تقدم تفسيره في السورة.

ومن هذا القبيل قوله:"و من أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين:"الأحقاف: - 6 فالمراد بمن لا يستجيب الأصنام فقط أو هي وغيرها ، وقوله:"يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها:"الزلزال: - 5.

ومن هذا القبيل الآيات الدالة على شهادة الأعضاء ونطقها وتكليمها لله والسؤال منها وخاصة ما ورد في ذيل الآيات الماضية آنفا من قوله:"أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء"الآية.

لا يقال: لو كان غير الإنسان والحيوان كالجماد والنبات ذا شعور وإرادة لبانت آثاره وظهر منها ما يظهر من الإنسان والحيوان من الأعمال العلمية والأفعال والانفعالات الشعورية.

لأنه يقال: لا دليل على كون العلم ذا سنخ واحد حتى تتشابه الآثار المترشحة منه فمن الممكن أن يكون ذا مراتب مختلفة تختلف باختلافها آثارها.

على أن الآثار والأعمال العجيبة المتقنة المشهودة من النبات وسائر الأنواع الطبيعية في عالمنا هذا لا تقصر في إتقانها ونظمها وترتيبها عن آثار الأحياء كالإنسان والحيوان.

حقق في مباحث العلم من الفلسفة أن العلم وهو حضور شيء لشيء يساوق الوجود المجرد لكونه ما له من فعلية الكمال حاضرا عنده من غير قوة فكل وجود مجرد يمكنه أن يوجد حاضرا لمجرد غيره أو يوجد له مجرد غيره وما أمكن لمجرد بالإمكان العام فهو له بالضرورة.

فكل عالم فهو مجرد وكذا كل معلوم وينعكسان بعكس النقيض إلى أن المادة وما تألف منها ليس بعالم ولا معلوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت