و شهادة الأعضاء أو القوى يوم القيامة ذكرها وإخبارها ما تحملته في الدنيا من معصية صاحبها فهي شهادة أداء لما تحملته ، ولو لا التحمل في الدنيا حين العمل كما لو جعل الله لها شعورا ونطقا يوم القيامة فعلمت ثم أخبرت بما عملته أو أوجد الله عندها صوتا يفيد معنى الإخبار من غير شعور منها به لم يصدق عليه الشهادة ، ولا تمت بذلك على العبد المنكر حجة وهو ظاهر.
وبذلك يظهر فساد قول بعضهم: إن الله يخلق يوم القيامة للأعضاء علما وقدرة على الكلام فتخبر بمعاصي صاحبيها وهو شهادتها وقول بعضهم: إنه يخلق عندها أصواتا في صورة كلام مدلوله الشهادة ، وكذا قول بعضهم: إن معنى الشهادة دلالة الحال على صدور معصية كذائية منهم.
وظاهر الآية أن شهادة السمع والبصر أداؤهما ما تحملاه وإن لم يكن معصية مأتيا بها بواسطتهما كشهادة السمع أنه سمع آيات الله تتلى عليه فأعرض عنها صاحبه أو أنه سمع صاحبه يتكلم بكلمة الكفر ، وشهادة البصر أنه رأى الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى فأعرض عنها صاحبه أو أنه رأى صاحبه يستمع إلى الغيبة أو سائر ما يحرم الإصغاء إليه فتكون الآية على حد قوله تعالى:"إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا:"إسراء: - 36.
وعلى هذا يختلف السمع والأبصار والجلود فيما شهدت عليه فالسمع والأبصار تشهد على معصية العبد وإن لم تكن بسببهما والجلود تشهد على المعصية التي كانت هي آلات لها بالمباشرة ، وهذا الفرق هو السبب لتخصيصهم الجلود بالخطاب في قولهم:"لم شهدتم علينا"على ما سيجيء.
والمراد بالجلود على ظاهر إطلاق الآية مطلق الجلود وشهادتها على أنواع المعاصي التي تتم بالجلود من التمتعات المحرمة كالزنا ونحوه ، ويمكن حينئذ أن تعمم الجلود بحيث تشمل شهادتها ما شهدت الأيدي والأرجل المذكورة في قوله:"اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم:"يس: - 65 على بعد.
وقيل: المراد بالجلود الفروج وقد كني بها عنها تأدبا.
قوله تعالى:"و قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا"اعتراض وعتاب منهم لجلودهم في شهادتها عليهم ، وقيل: الاستفهام للتعجب فهو سؤال عن السبب لرفع التعجب وإنما خصوها بالسؤال دون سمعهم وأبصارهم مع اشتراكها في الشهادة لأن الجلود شهدت على ما كانت هي بنفسها أسبابا وآلات مباشرة له بخلاف السمع والأبصار فإنها كسائر الشهداء تشهد بما ارتكبه غيرها.
وقيل: تخصيص الجلود بالذكر تقريع لهم وزيادة تشنيع وفضاحة وخاصة لو كان المراد بالجلود الفروج وقيل غير ذلك.
قوله تعالى:"قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء"إلخ إرجاع ضمير أولي العقل إلى الجوارح لمكان نسبة الشهادة والنطق إليها وذلك من شئون أولي العقل.
والمتيقن من معنى النطق إذا استعمل على الحقيقة من غير تجوز هو إظهار ما في الضمير من طريق التكلم فيتوقف على علم وكشفه لغيره ، قال الراغب: ولا يكاد يستعمل النطق في غير الإنسان إلا تبعا وبنوع من التشبيه وظاهر سياق الآيات وما فيها من ألفاظ القول والتكلم والشهادة والنطق أن المراد بالنطق ما هو حقيقة معناه.
فشهادة الأعضاء على المجرمين كانت نطقا وتكلما حقيقة عن علم تحملته سابقا بدليل قولها:"أنطقنا الله".
ثم إن قولها:"أنطقنا الله"جوابا عن قول المجرمين:"لم شهدتم علينا"؟ إراءة منها للسبب الذي أوجب نطقها وكشف عن العلم المدخر عندها المكنون في ضميرها فهي ملجؤه إلى التكلم والنطق ، ولا يضر ذلك نفوذ شهادتها وتمام الحجة بذلك فإنها إنما ألجئت إلى الكشف عما في ضميرها لا على الستر عليه والإخبار بخلافه كذبا وزورا حتى ينافي جواز الشهادة وتمام الحجة.
وقوله:"الذي أنطق كل شيء"توصيف لله سبحانه وإشارة إلى أن النطق ليس مختصا بالأعضاء حتى تختص هي بالسؤال بل هو عام شامل لكل شيء والسبب الموجب له هو الله سبحانه.
وقوله:"و هو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون"من تتمة الكلام السابق أو هو من كلامه ، وهو احتجاج على علمه بأعمالهم وقد أنطق الجوارح بما علم.