5 سورة المائدة - 110 - 111
إِذْ قَالَ اللّهُ يَعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكرْ نِعْمَتى عَلَيْك وَعَلى وَلِدَتِك إِذْ أَيّدتّك بِرُوح الْقُدُسِ تُكلِّمُ النّاس في الْمَهْدِ وَكهْلًا وَإِذْ عَلّمْتُك الْكتَب وَالحِْكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالانجِيلَ وَإِذْ تخْلُقُ مِنَ الطينِ كَهَيْئَةِ الطيرِ بِإِذْنى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طيرَا بِإِذْنى وَتُبرِئُ الأَكمَهَ وَالأَبْرَص بِإِذْنى وَإِذْ تخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنى وَإِذْ كفَفْت بَنى إِسرءِيلَ عَنك إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَتِ فَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مّبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْت إِلى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ ءَامِنُوا بى وَبِرَسولى قَالُوا ءَامَنّا وَاشهَدْ بِأَنّنَا مُسلِمُونَ (111)
الآيتان وكذا الآيات التالية لها القاصة قصة نزول المائدة والتالية لها المخبرة عما سيسأل الله عيسى بن مريم (عليهما السلام) عن اتخاذ الناس إياه وأمه إلهين من دون الله سبحانه وما يجيب به عن ذلك ، كلها مرتبطة بغرض السورة الذي افتتحت به ، وهو الدعوة إلى الوفاء بالعهد والشكر للنعمة والتحذير عن نقض العهود وكفران النعم الإلهية وبذلك يتم رجوع آخر السورة إلى أولها وتحفظ وحدة المعنى المراد.
قوله تعالى:"إذ قال الله يا عيسى بن مريم - إلى قوله - وإذ تخرج الموتى بإذني"الآية تعد عدة من الآيات الباهرة الظاهرة بيده (عليه السلام) إلا أنها تمتن بها عليه وعلى أمه جميعا ، وهي مذكورة بهذا اللفظ تقريبا فيما يحكيه تعالى من تحديث الملائكة مريم عند بشارتها بعيسى (عليه السلام) في سورة آل عمران ، قال تعالى:"إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم - إلى أن قال - ويكلم الناس في المهد وكهلا - إلى أن قال - ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل ، أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فتكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله"الآيات:"آل عمران: 45 50".
والتأمل في سياق الآيات يوضح الوجه في عد ما ذكره من الآيات المختصة ظاهرا بالمسيح نعمة عليه وعلى والدته جميعا كما تشعر به آيات آل عمران فإن البشارة إنما تكون بنعمة ، والأمر على ذلك فإن ما اختص به المسيح (عليه السلام) من آية وموهبة كالولادة من غير أب والتأييد بروح القدس وخلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله سبحانه فهي بعينها كرامة لمريم كما أنها كرامة لعيسى (عليه السلام) فهما معا منعمان بالنعمة الإلهية كما قال تعالى:"نعمتي عليك وعلى والدتك".
وإلى ذلك يشير تعالى بقوله:"و جعلناها وابنها آية للعالمين":"الأنبياء: 91"حيث عدهما معا آية واحدة لا آيتين.
وقوله:"إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس"الظاهر أن التأييد بروح القدس هو السبب المهيىء له لتكليم الناس في المهد ، ولذلك وصل قوله"تكلم الناس"من غير أن يفصله بالعطف إلى الجملة السابقة إشعارا بأن التأييد والتكليم معا أمر واحد مؤلف من سبب ومسبب ، واكتفى في موارد من كلامه بذكر أحد الأمرين عن الآخر كقوله في آيات آل عمران المنقولة آنفا:"و تكلم الناس في المهد وكهلا"، وقوله:"و آتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس":"البقرة: 235".
على أنه لو كان المراد بتأييده بروح القدس مسألة الوحي بوساطة الروح لم يختص بعيسى بن مريم (عليهما السلام) وشاركه فيها سائر الرسل مع أن الآية تأبى ذلك بسياقها.
وقوله:"و إذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل من الممكن أن يستفاد منه أنه (عليه السلام) إنما تلقى علم ذلك كله بتلق واحد عن أمر إلهي واحد من غير تدريج وتعدد كما أنه أيضا ظاهر جمع الجميع وتصديرها بإذ من غير تكرار لها."