فهرس الكتاب

الصفحة 700 من 4314

3 سورة آل عمران - 86 - 91

كَيْف يَهْدِى اللّهُ قَوْمًا كفَرُوا بَعْدَ إِيمَنهِمْ وَشهِدُوا أَنّ الرّسولَ حَقّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَت وَاللّهُ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الظلِمِينَ (86) أُولَئك جَزَاؤُهُمْ أَنّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلَئكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَلِدِينَ فِيهَا لا يخَفّف عَنْهُمُ الْعَذَاب وَلا هُمْ يُنظرُونَ (88) إِلا الّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِك وَأَصلَحُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ (89) إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمّ ازْدَادُوا كُفْرًا لّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئك هُمُ الضالّونَ (90) إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نّصِرِينَ (91)

الآيات ممكنة الارتباط بما تقدمها من الكلام على أهل الكتاب وإن كان يمكن أن تستقل بنفسها وتنفصل عما تقدمها ، وهو ظاهر.

قوله تعالى: كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ، الاستفهام يفيد الاستبعاد والإنكار ، والمراد به استحالة الهداية ، وقد ختم الآية بقوله: والله لا يهدي القوم الظالمين ، وقد مر في نظير هذه الجملة أن الوصف مشعر بالعلية أي لا يهديهم مع وجود هذا الوصف فيهم ، وذلك لا ينافي هدايته لهم على تقدير رجوعهم وتوبتهم منه.

وأما قوله: وشهدوا أن الرسول حق ، فإن كان المراد بهم أهل الكتاب فشهادتهم هو مشاهدتهم أن آيات النبوة التي عندهم منطبقة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يفيده قوله: وجاءهم البينات ، وإن كان المراد بهم أهل الردة من المسلمين فشهادتهم هي إقرارهم بالرسالة لا إقرارا صوريا مبنيا على الجهالة والحمية ونحوهما بل إقرارا مستندا إلى ظهور الأمر كما يفيده قوله: وجاءهم البينات.

وكيف كان الأمر فانضمام قوله: وشهدوا"الخ"إلى أول الكلام يفيد أن المراد بالكفر هو الكفر بعد ظهور الحق وتمام الحجة فيكون كفرا عن عناد مع الحق ولجاج مع أهله وهو البغي بغير الحق والظلم الذي لا يهتدي صاحبه إلى النجاة والفلاح.

وقد قيل في قوله: وشهدوا"الخ"إنه معطوف على قوله: إيمانهم لما فيه من معنى الفعل ، والتقدير كفروا بعد أن آمنوا وشهدوا"الخ"أو أن الواو للحال ، والجملة حالية بتقدير"قد".

قوله تعالى: أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله - إلى قوله -: ولا هم ينظرون ، قد مر الكلام في معنى عود جميع اللعنة عليهم في تفسير قوله تعالى:"أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون": البقرة - 159.

قوله تعالى: إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا"الخ"أي دخلوا في الصلاح ، والمراد به كون توبتهم نصوحا تغسل عنهم درن الكفر وتطهر باطنهم بالإيمان ، وأما الإتيان بالأعمال الصالحة فهو وإن كان مما يتفرع على ذلك ويلزمه غير أنه ليس بمقوم لهذه التوبة ولا ركنا منها ، ولا في الآية دلالة عليه.

وفي قوله: فإن الله غفور رحيم وضع العلة موضع المعلول والتقدير فيغفر الله له ويرحمه فإن الله غفور رحيم.

قوله تعالى: إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا إلى آخر الآيتين تعليل لما يشتمل عليه قوله أولا.

كيف يهدي الله قوما كفروا"الخ"وهو من قبيل التعليل بتطبيق الكلي العام على الفرد الخاص ، والمعنى أن الذي يكفر بعد ظهور الحق وتمام الحجة عليه ، ولا يتوب بعده توبة مصلحة إنما هو أحد رجلين إما كافر يكفر ثم يزيد كفرا فيطغى ، ولا سبيل للصلاح إليه فهذا لا يهديه الله ولا يقبل توبته لأنه لا يرجع بالحقيقة بل هو منغمر في الضلال ، ولا مطمع في اهتدائه.

وإما كافر يموت على كفره وعناده من غير توبة يتوبها فلا يهديه الله في الآخرة بأن يدخله الجنة إذ لم يرجع إلى ربه ولا بدل لذلك حتى يفتدي به ، ولا شفيع ولا ناصر حتى يشفع له أو ينصره.

ومن هنا يظهر أن قوله: وأولئك هم الضالون باشتماله على اسمية الجملة ، والإشارة البعيدة في أولئك ، وضمير الفصل ، والاسمية واللام في الخبر يدل على تأكد الضلال فيهم بحيث لا ترجى هدايتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت