فهرس الكتاب

الصفحة 1443 من 4314

و أما قوله:"نرفع درجات من نشاء"فالدرجات - كما قيل - هي مراقي السلم ثم توسع فيها فأطلق على مراتب الكمال من المعنويات كالعلم والإيمان والكرامة والجاه وغير ذلك فرفعه تعالى من يشاء من عباده درجات من الرفع هو تخصيصه بكمالات معنوية وفضائل حقيقية في الخيرات الكسبية كالعلم والتقوى وغير الكسبية كالنبوة والرسالة والرزق وغيرها.

والدرجات لكونها نكرة في سياق الإيجاب مهملة غير مطلقة غير أن المتيقن من معناها بالنظر إلى خصوص المورد هو درجات العلم والهداية فقد رفع الله إبراهيم (عليه السلام) بهدايته وإراءته ملكوت السماوات والأرض وإيتائه اليقين والحجة القاطعة ، والجميع من العلم ، وقد قال تعالى في درجات العلم:"يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات": المجادلة: 11.

ثم ختم الآية بقوله:"إن ربك حكيم عليم"لتثبيت أن ذلك كله كان بحكمة منه تعالى وعلم كما أن الحجج التي آتاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المذكورة في السورة قبل هذه الحجة من حكمته وعلمه تعالى ، وفي الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة لتطييب قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتثبيت المعارف المذكورة فيه.

في العيون: ، حدثنا نعيم بن عبد الله بن تميم القرشي رضي الله عنه قال: حدثنا أبي عن حمدان بن سليمان النيشابوري عن علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا (عليه السلام) فقال له المأمون: يا بن رسول الله أ ليس من قولك إن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى ، قال: فسأله عن آيات من القرآن فيه فكان فيما سأله أن قال له: فأخبرني عن قول الله عز وجل في إبراهيم:"فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربي". فقال الرضا (عليه السلام) : إن إبراهيم وقع إلى ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة ، وصنف يعبد القمر ، وصنف يعبد الشمس وذلك حين خرج من السرب الذي أخفي فيه فلما جن عليه الليل رأى الزهرة قال: هذا ربي على الإنكار والاستخبار فلما أفل الكوكب قال: لا أحب الآفلين لأن الأفول من صفات المحدث لا من صفات القديم فلما رأى القمر بازغا قال: هذا ربي على الإنكار والاستخبار فلما أفل قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ، فلما أصبح رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي هذا أكبر من الزهرة والقمر على الإنكار والاستخبار لا على الإخبار والإقرار فلما أفلت قال للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر والشمس: يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. وإنما أراد إبراهيم بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم ، ويثبت عندهم أن العبادة لا يحق لما كان بصفة الزهرة والقمر والشمس ، وإنما يحق العبادة لخالقها وخالق السماوات والأرض ، وكان ما احتج به على قومه مما ألهمه الله عز وجل وآتاه كما قال عز وجل: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه. فقال المأمون: لله درك يا بن رسول الله.

أقول: وتأييد الرواية بمضمونها عدة من الأمور التي استفدناها من سياق الآيات الكريمة ظاهر ، وسيأتي أيضا بعض ما يؤيدها من الروايات ، وأما ما في الرواية من كون قول إبراهيم (عليه السلام) :"هذا ربي"واقعا على سبيل الإنكار والاستخبار دون الإخبار والإقرار فوجه من الوجوه التي تقدمت في تفسير الآيات أورده (عليه السلام) في قطع حجة المأمون ، ولا ينافي صحة غيره من الوجوه لو كان هناك وجه كما سيأتي.

وكذا قوله:"لأن الأفول من صفات المحدث"إلخ ، ليس بظاهر في أن الحجة مأخوذة من الأفول الحادث كما ذكره بعضهم لجواز أن يكون الحجة مأخوذة من عدم الحب وملاكه كون الأفول من صفات المحدث التي لا ينبغي أن يتعلق بها حب فافهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت