فهرس الكتاب

الصفحة 1442 من 4314

قال بعض المفسرين في معنى عموم الظلم في الآية: إن الأمن في الآية مقصور على الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فإذا حمل العموم فيها على إطلاقه وعدم مراعاة موضوع الإيمان يكون المعنى: الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بظلم ما لأنفسهم لا في إيمانهم ولا في أعمالهم البدنية والنفسية من دينية أو دنيوية ولا لغيرهم من المخلوقات من العقلاء والعجماوات أولئك لهم الأمن من عقاب الله تعالى الديني على ارتكاب المعاصي والمنكرات ، وعقابه الدنيوي على عدم مراعاة سببه في ربط الأسباب بالمسببات كالفقر والأسقام والأمراض دون غيرهم ممن ظلموا أنفسهم أو غيرهم فإن الظالمين لا أمان لهم بل كل ظالم عرضة للعقاب وإن كان الله تعالى لسعة رحمته لا يعاقب كل ظالم على كل ظلم بل يعفو عن كثير من ذنوب الدنيا ، ويعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء في الآخرة ما دون الشرك به.

قال: وهذا المعنى في تفسير الآية صحيح في نفسه ، ويترتب عليه أن الأمن المطلق من الخوف من عقاب الله الديني والدنيوي أو الشرعي والقدري جميعا لا يصح لأحد من المكلفين دع خوف الهيبة والإجلال الذي يمتاز به أهل الكمال.

قال: وأما معنى الآية على فرض عدم الإطلاق فهو أن الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بظلم عظيم وهو الشرك بالله أولئك لهم الأمن دون غيرهم من العقاب الديني المتعلق بأصل الدين وهو الخلود في دار العذاب وهم فيما دون ذلك بين الخوف والرجاء.

قال: وظاهر الآية هو العموم واستدل عليه بفهم الصحابة على ما روي: أن الآية لما نزلت شق ذلك على الناس وقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ فأخبرهم (صلى الله عليه وآله وسلم) : أن المراد به الشرك ، وربما أشعر بذلك السياق وكون الموضوع هو الإيمان ، انتهى ملخصا.

وفيه مواقع للإشكال فأولا: أن ما استدل عليه من العموم بفهم الصحابة هو غير ما قرره من معنى العموم فإن الذي فهموه من الظلم هو ما يساوي المعصية ، والذي قرره هو أعم من ذلك.

وثانيا: أن ما قرره من عموم الظلم حتى بالنسبة إلى أفراد من الظلم ليست من المعصية في شيء ثم حكم بصحة تفسير الآية به أجنبي عن مدلول الآية فإن الآية في مقام بيان أن الأمن والاهتداء من آثار الإيمان ولكن بشرط أن لا يقارن ظلما يستره ويفسد أثره ، وهذا الظلم إنما هو المعصية بوجه ، وأما ما لا يعد معصية كأكل الغذاء المضر بصحة البدن خطاء فمن المعلوم أنه لا يفسد أثر الإيمان من الأمن والاهتداء ، وليس المراد بالآية بيان آثار الظلم أيا ما كانت ولو مع قطع النظر عن الإيمان فإنه تعالى قال:"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم"فجعل الإيمان هو الموضوع وقيده بعدم الظلم وجعل أثره الأمن والاهتداء ، ولم يجعل الظلم هو الموضوع حتى تكون الآية مسرودة لبيان آثاره.

فالآية سيقت لبيان الآثار التي تترتب على الإيمان الصحيح ، وأما الظلم بما له من العرض العريض وما له من الأثر المترتب عليه فالآية غير متعرضة لذلك البتة ، فقوله:"و هذا المعنى في تفسير الآية صحيح في نفسه"فاسد البتة.

وثالثا: أن قوله:"و يترتب عليه أن الأمن المطلق لا يصح لأحد من المكلفين"صريح في أن الآية لا مصداق لها بالنظر إلى الإطلاق الذي قرره ، ولازمه سقوط الكلام عن الفائدة ، وأي فائدة في أن يوضع في الحجة قول لا مصداق له أصلا؟.

ورابعا: أن الذي اختاره في معنى الآية أن المراد به هو الظلم الخاص وهو الشرك ليس بمستقيم فإن الآية من جهة عموم لفظها وإن دلت على وجوب كون الإيمان غير مقارن للشرك حتى يؤثر أثره لكن ذلك من باب انطباق اللفظ العام على مورده الخاص ، وأما إرادة المعنى الخاص من اللفظ العام من غير قرينة حالية أو مقالية متصلة أو منفصلة فمما لا ترتضيه صناعة البلاغة وهو ظاهر.

وأما ما أشار إليه من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"إنما هو الشرك"فليس بصريح في أن الشرك مراد لفظي من الآية وإنما هو الانطباق ، وسيجيء البحث عن الحديث في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى:"و تلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء"إلخ ، في الإشارة بلفظ البعيد إلى الحجة تفخيم وتعظيم لأمرها لكونها حجة قاطعة جارية على صراط الفطرة مأخوذة بمقدماتها منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت