فالواقف في منشعب طريقي الشرك والتوحيد مثلا وهو الذي يرى أن للعالم صانعا هو الذي فطر أجزاءها وشق أرجاءها وأمسك أرضها وسماءها ، ويرى أنه نفسه وغيره مخلوقون مربوبون مدبرون ، وأن الحياة الإنسانية الحقيقية إنما تسعد بالإيمان به والخضوع له فالظلم اللائح لهذا الإنسان هو الشرك بالله والإيمان بغيره بالربوبية كالأصنام والكواكب وغيرها على ما يثبته إبراهيم (عليه السلام) بقوله:"و كيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا"فالإيمان الذي يؤثر أثره بالنسبة إلى هذا الإنسان إنما يشترط في إعطائه الأمن من الشقاء بأن لا يلبسه ظلم الشرك ومعصيته.
ومن طوى هذه المرحلة فآمن بالله وحده فإنه يواجه من الظلم الكبائر من المعاصي كعقوق الوالدين وأكل مال اليتيم وقتل النفس المحترمة والزنا وشرب الخمر فإيمانه في تأثيره آثاره الحسنة يشترط باجتناب هذا النوع من الظلم ، وقد وعده الله أن يكفر عنه السيئات والمعاصي الصغيرة إن اجتنب كبائر ما ينهى عنه ، قال تعالى:"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما": النساء: 31 وفساد أثر هذا الإيمان هو الشقاء بعذاب هذه المعاصي وإن لم يكن عذابا خالدا غير منقطع الآخر كعذاب الشرك بل منقطعا إما بحلول أجله وإما بشفاعة ونحوها.
ومن تزود هذا الزاد من التقوى وحصل شيئا من المعرفة بمقام ربه كان مسئولا بأصناف من الظلم تبدو له بحسب درجة معرفته بربه كإتيان المكروهات وترك المستحبات والتوغل في المباحات ، وفوق ذلك المعاصي في مستوى الأخلاق الكريمة والملكات الربانية ووراء ذلك الذنوب التي تعترض سبيل الحب ، وتحف بساط القرب ، فالإيمان في كل من هذه المراتب إنما يؤمن المتلبس به ويدفع عنه الشقاء إذا عري عن ملابسة الظلم المناسب لتلك المرتبة.
فلقوله تعالى:"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم"إطلاق من حيث الظلم لكنه إطلاق يختلف باختلاف مراتب الإيمان وإذ كان المقام مقام محاجة المشركين انطبق الظلم المنفي على ظلم الشرك فحسب والأمن الذي يعطيه هذا الإيمان هو الأمن مما يخاف منه من الشقاء المؤبد والعذاب المخلد ، والآية مع ذلك آية مستقلة من حيث البيان مع قطع النظر عن خصوصية المورد تفيد أن الأمن والاهتداء إنما يترتب على الإيمان بشرط انتفاء جميع أنحاء الظلم الذي يلبسه ويستر أثره بالمعنى الذي تقدم بيانه.
وأما الإيمان المذكور في الآية ففيه إطلاق والمراد به الإيمان بالربوبية الصالح للتقيد بما يصلحه أو يفسده ثم إذا قيد بقوله:"و لم يلبسوا إيمانهم بظلم"أفاد الإيمان بربوبية الله سبحانه ورفض غيره من شركائهم فإن إبراهيم (عليه السلام) ذكر فيما تحكي عنه الآية السابقة أن قولهم بربوبية شركائهم وإيمانهم بها مع كونها من خلق الله قول بما لا دليل لهم عليه من جانب الله ولا سلطان وأنهم بإيمانهم بشركائهم يتوقون شرا ويستأمنون شقاء ليس لها أن تدفعها لأنها لا تضر ولا تنفع ، وأما هو (عليه السلام) فقد خاف وآمن بمن هو فاطره وهو المتصرف بالهداية والمدبر الذي له في كل أمر إرادة ومشية لسعة علمه ، ثم سألهم: أي الفريقين أحق بالأمن والناجح بالإيمان بالرب ، ولكل من الفريقين إيمان بالرب ، وإن اختلفا من جهة الرب ، والذي آمنوا به بين مؤمن برب على ربوبيته دليل ، ومؤمن برب لا دليل على ربوبيته بل الدليل على خلافه.
ومن هنا يظهر أن المراد بالإيمان في قوله:"الذين آمنوا"مطلق الإيمان بالربوبية ثم بتقيده بقوله:"و لم يلبسوا إيمانهم بظلم"يتعين في الإيمان بالله سبحانه الذي هو حق الإيمان فافهم.
فقد اتضح بما تقدم أولا: أن المراد بالإيمان هو الإيمان بالربوبية دون الإيمان بوجود صانع العالم خلافا لمنكري وجوده.
وثانيا: أن الظلم في الآية مطلق ما يضر الإيمان ويفسده من المعاصي ، وكذا المراد بالأمن مطلق الأمن من شقاء المعاصي والذنوب ، وبالاهتداء مطلق التخلص من ضلالها وإن انطبق بحسب المورد على معصية الشرك خاصة.
وثالثا: أن إطلاق الظلم يختلف بحسب اختلاف مراتب الإيمان.