فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 4314

و ذكر آخرون: أن الله يفعل فعلا كالإخراج من الظلمات إلى النور وإعطاء الحياة والسعة والرحمة وما يشاكلها ويترتب على فعله تعالى آثار كالنور والظلمة والروح والرحمة ونزول الملائكة ، لا ينالها أفهامنا ولا يسعها مشاعرنا ، غير أنا نؤمن بحسب ما أخبر به الله - وهو يقول الحق - بأن هذه الأمور موجودة وأنها أفعال له تعالى وإن لم نحط بها خبرا ، ولازم هذا القول أيضا كالقول السابق أن يكون هذه الألفاظ أعني أمثال النور والظلمة والإخراج ونحوها مستعملة على المجاز بالاستعارة ، وإنما الفرق بين القولين أن مصاديق النور والظلمة ونحوهما على القول الأول نفس أعمالنا وعقائدنا ، وعلى القول الثاني أمور خارجة عن أعمالنا وعقائدنا لا سبيل لنا إلى فهمها ، ولا طريق إلى نيلها والوقوف عليها.

والقولان جميعا خارجان عن صراط الاستقامة كالمفرط والمفرط ، والحق في ذلك أن هذه الأمور التي أخبر الله سبحانه بإيجادها وفعلها عند الطاعة والمعصية إنما هي أمور حقيقية واقعية من غير تجوز غير أنها لا تفارق أعمالنا وعقائدنا بل هي لوازمها التي في باطنها ، وقد مر الكلام في ذلك ، وهذا لا ينافي كون قوله تعالى: يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وقوله تعالى: يخرجونهم من النور إلى الظلمات ، كنايتين عن هداية الله سبحانه وإضلال الطاغوت ، لما تقدم في بحث الكلام أن النزاع في مقامين: أحدهما كون النور والظلمة وما شابههما ذا حقيقة في هذه النشأة أو مجرد تشبيه لا حقيقة له ، وثانيهما: أنه على تقدير تسليم أن لها حقائق وواقعيات هل استعمال اللفظ كالنور مثلا في الحقيقة التي هي حقيقة الهداية حقيقة أو مجاز؟ وعلى أي حال فالجملتان أعني: قوله تعالى: يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وقوله تعالى: يخرجونهم من النور إلى الظلمات ، كنايتان عن الهداية والإضلال وإلا لزم أن يكون لكل من المؤمن والكافر نور وظلمة معا ، فإن لازم إخراج المؤمن من الظلمة إلى النور أن يكون قبل الإيمان في ظلمة وبالعكس في الكافر ، فعامة المؤمنين والكفار - وهم الذين عاشوا مؤمنين فقط أو عاشوا كفارا فقط - إذا بلغوا مقام التكليف فإن آمنوا خرجوا من الظلمات إلى النور ، وإن كفروا خرجوا من النور إلى الظلمات ، فهم قبل ذلك في نور وظلمة معا وهذا كما ترى.

لكن يمكن أن يقال: إن الإنسان بحسب خلقته على نور الفطرة ، هو نور إجمالي يقبل التفصيل ، وأما بالنسبة إلى المعارف الحقة والأعمال الصالحة تفصيلا فهو في ظلمة بعد لعدم تبين أمره ، والنور والظلمة بهذا المعنى لا يتنافيان ولا يمتنع اجتماعهما ، والمؤمن بإيمانه يخرج من هذه الظلمة إلى نور المعارف والطاعات تفصيلا ، والكافر بكفره يخرج من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر والمعاصي التفصيلية ، والإتيان بالنور مفردا وبالظلمات جمعا في قوله تعالى: يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وقوله تعالى: يخرجونهم من النور إلى الظلمات ، للإشارة إلى أن الحق واحد لا اختلاف فيه كما أن الباطل متشتت مختلف لا وحدة فيه ، قال تعالى:"و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم:"الأنعام - 153.

في الدر المنثور ، أخرج أبو داود والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن منده في غرائب شعبه وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في سننه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد ، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده ، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل الله لا إكراه في الدين.

أقول: وروي أيضا هذا المعنى بطرق أخرى عن سعيد بن جبير وعن الشعبي.

وفيه ، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: كانت النضير أرضعت رجالا من الأوس ، فلما أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإجلائهم ، قال أبناؤهم من الأوس: لنذهبن معهم ولندينن دينهم ، فمنعهم أهلوهم وأكرهوهم على الإسلام ، ففيهم نزلت هذه الآية لا إكراه في الدين.

أقول: وهذا المعنى أيضا مروي بغير هذا الطريق ، وهو لا ينافي ما تقدم من نذر النساء اللاتي ما كان يعيش أولادها أن يهودنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت