57 سورة الحديد - 16 - 24
أَ لَمْ يَأْنِ لِلّذِينَ ءَامَنُوا أَن تخْشعَ قُلُوبهُمْ لِذِكرِ اللّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَْقِّ وَلا يَكُونُوا كالّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيهِمُ الأَمَدُ فَقَست قُلُوبهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنهُمْ فَسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنّ اللّهَ يحْىِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتهَا قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الاَيَتِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) إِنّ الْمُصدِّقِينَ وَالْمُصدِّقَتِ وَأَقْرَضوا اللّهَ قَرْضًا حَسنًا يُضعَف لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَالّذِينَ ءَامَنُوا بِاللّهِ وَرُسلِهِ أُولَئك هُمُ الصدِّيقُونَ وَالشهَدَاءُ عِندَ رَبهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالّذِينَ كَفَرُوا وَكذّبُوا بِئَايَتِنَا أُولَئك أَصحَب الجَْحِيمِ (19) اعْلَمُوا أَنّمَا الحَْيَوةُ الدّنْيَا لَعِبٌ وَلهَْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرُ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ في الأَمْوَلِ وَالأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعجَب الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثمّ يهِيجُ فَترَاهُ مُصفَرّا ثمّ يَكُونُ حُطمًا وَفى الاَخِرَةِ عَذَابٌ شدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرِضوَنٌ وَمَا الحَْيَوةُ الدّنْيَا إِلا مَتَعُ الْغُرُورِ (20) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِّن رّبِّكمْ وَجَنّةٍ عَرْضهَا كَعَرْضِ السمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدّت لِلّذِينَ ءَامَنُوا بِاللّهِ وَرُسلِهِ ذَلِك فَضلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصاب مِن مّصِيبَةٍ في الأَرْضِ وَلا في أَنفُسِكُمْ إِلا في كتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نّبرَأَهَا إِنّ ذَلِك عَلى اللّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلا تَأْسوْا عَلى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا ءَاتَامْ وَاللّهُ لا يحِب كلّ مخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاس بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلّ فَإِنّ اللّهَ هُوَ الْغَنىّ الحَْمِيدُ (24)
جرى على وفق مقصد الكلام السابق وهو الحث والترغيب في الإيمان بالله ورسوله والإنفاق في سبيل الله وتتضمن عتاب المؤمنين على ما يظهر من علائم قسوة القلوب منهم ، وتأكيد الحث على الإنفاق ببيان درجة المنفقين عند الله والأمر بالمسابقة إلى المغفرة والجنة وذم الدنيا وأهلها الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل.
وقد تغير السياق خلال الآيات إلى سياق عام يشمل المسلمين وأهل الكتاب بعد اختصاص السياق السابق بالمسلمين وسيجيء توضيحه.
قوله تعالى:"أ لم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق"إلى آخر الآية ، يقال: أنى يأني إنى وإناء أي جاء وقته ، وخشوع القلب تأثره قبال العظمة والكبرياء ، والمراد بذكر الله ما يذكر به الله ، وما نزل من الحق هو القرآن النازل من عنده تعالى و"من الحق"بيان لما نزل ، ومن شأن ذكر الله تعالى عند المؤمن أن يعقب خشوعا كما أن من شأن الحق النازل من عنده تعالى أن يعقب خشوعا ممن آمن بالله ورسله.
وقيل: المراد بذكر الله وما نزل من الحق جميعا القرآن ، وعلى هذا فذكر القرآن بوصفيه لكون كل من الوصفين مستدعيا لخشوع المؤمن فالقرآن لكونه ذكر الله يستدعي الخشوع كما أنه لكونه حقا نازلا من عنده تعالى يستدعي الخشوع.
وفي الآية عتاب للمؤمنين على ما عرض لقلوبهم من القسوة وعدم خشوعها لذكر الله والحق النازل من عنده تعالى وتشبيه لحالهم بحال أهل الكتاب الذين نزل عليهم الكتاب وطال عليهم الأمد فقست قلوبهم.
وقوله:"و لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم"عطف على قوله:"تخشع"إلخ ، والمعنى: أ لم يأن لهم أن تخشع قلوبهم وأن لا يكونوا إلخ ، والأمد الزمان ، قال الراغب: الفرق بين الزمان والأمد أن الأمد يقال باعتبار الغاية والزمان عام في المبدأ والغاية ولذلك قال بعضهم: إن المدى والأمد يتقاربان.
انتهى.
وقد أشار سبحانه بهذا الكلام إلى صيرورة قلوبهم كقلوب أهل الكتاب القاسية والقلب القاسي حيث يفقد الخشوع والتأثر عن الحق ربما خرج عن زي العبودية فلم يتأثر عن المناهي واقترف الإثم والفسوق ، ولذا أردف قوله:"فقست قلوبهم"بقوله:"و كثير منهم فاسقون".